الجمعة

وحيدةً أجلس



     


         وحيدة أجلس في الساحة الأمامية لكلية الآداب، انتظر انقضاء الساعة السابقة لدرس السياسة، الذي يفترض أن تناقش فيه الماركسية وآثارها، على يميني فتيات لا يسأمن إعادة الأغنية ذاتها مرات ومرات، كما لا يؤمنَّ بجدوى سماعات الأذن، وأمامي جمهرة من الشبان، يعتلون مقعدًا واحدًا لا يكاد يظهر، يتصارخون ويتضاحكون كأنهم قد اقتلعوا من مدرسة ثانوية وجرى إلصاقهم في خلفية المشهد الممتد أمامي.


          وحيدة أجلس غير راغبة في تحضير ما سيقال عن ماركس، لعل الأدب –وهو اختصاصي- قد احتفى بالديالكتيك أكثر ما احتفت السياسة، فلم أصل إلى هذا الدرس اليوم إلاّ وقد حُمِّلت معرفة جيدة بماركس واشتراكيته، ولأني أفضِّل أن أتتبع تنويعات واقعية للدرس أفتح كتاب (حازم صاغية) تاركة التقنين والتقعيد لماركس، متشبثة بـ (البعث السوري: تاريخ موجز).


          وحيدة أجلس وتتقافز عيناي على أسطر الصفحات، ترقبان الظهور الأول للاسم الأشد ارتباطًا بالبعث في مخيلتي، مراقبة من دون أدنى شوق، مراقبة تتلمس بدايات التحول الجلل، لتمسك الخيط الرفيع الذي فصل انقلابه عن كل انقلاب سابق، ترقبان الاسم الذي عاشت روحه "كأنها شيخة رقوب تحن في وكرها القلوب"، ولمّا لم يدم بها الحال، صارت على موائد مظاليمها شمعة في لعناتهم تذوب.


          وحيدة أجلس وتوصلني القراءة إلى عتبة تاريخية هامة أثبت منها: "...وبدورها لم تقتصد إذاعة دمشق في الإفصاح عن هذه الوجهة، فقالت الأغنية الأولى التي راحت تبث بعد الانقلاب دون انقطاع:

»البعث قامت ثورته

والثأر دارت دورته.»

وأدخل تلك الحقبة على أنغام استهجنها، أسمعها رغمًا عن صمت الصفحات، أتخيلها ترتدي مقام العجم... واستغرق في التأمل لأزور بيتًا دمشقيًا تحلق أهله حول مذياع كبير صدح بهذا الجنون، هل دارت دورة الثأر على أعدائهم حينها؟ لست أدري لكنها تدور عليهم الآن دونما ذنب اقترفوه... ولا أعود من زيارتي المتخيلة إلاّ بفعل طفلة يبهت فيها كل شيء ما خلا عينيها، التصقت بالمقعد مفتتحة كلامها بيدها الصغيرة، معللة وجودها بجنسيتها، أخذتها لحوار صار يشبه الاستمارة، سألتها عن مكان ولادتها ومسكنها القديم ومأواها الجديد، عن عمرها وتعليمها ورأيها بهذه البلد، عن أسرتها وعدد إخوتها... صغيرتي هذه اسمها ريم وهي من طفس بدرعا، أتت من المفرق إلى إربد برفقة إخوتها الأربعة لتأمين أجرة منزلهم، لا تعرف القراءة أو الكتابة، لم تتلق أي تعليم في حياتها مع أنها تبدو بعمر طالبات الصف الخامس، أطلق سراح زهورها من نحل أسئلتي فتركض نحو إخوتها ويأتون جميعهم إلي.


         أسألهم إن كانوا لا يمانعون التوقف عن مساعيهم لصورة، يصطفون أمامي باستثناء واحدة منهم تفضل الجلوس بجانبي لتشاهد الصورة دون أن تظهر فيها، اسمها (خلود) تلفظه بكسر الخاء ويضحكني لفظها افتتحت كلامها معي بدعوة غريبة تشذ عن معايير الطفولة لا تحضرني صيغتها إلاّ أنها انطوت على (أن يحفظ الله لي الغالي على قلبي) وما إن نهرتها على قولها سارعتني بالتساؤل: (يعني ما في؟!) جحدتها وطلبت إليها أن تكتفي بذكر جنسيتها وسبب وجودها مقتدية بأختها الكبرى، ويزيد إصراري عليها للوقوف وإخوتها، فتذعن لي ولهم أخيرًا.


          وحيدة أجلس بعد أن نبتوا في ربيع الصورة أمامي، غنّى كبيرهم أغنية ثورية بسرعة منزلا أصابع أخته الصغيرة التي ارتفعت بالنصر عفويًا، طلبت إليه أن يعيد المقطع فأبى وحثثتهم جميعًا على رفع أصابعهم بالإشارة، وكانت الصورة الأولى، فالثانية... تحلقوا حولي ليروا مجموعة الصور وأخذوا يسألونني عن هاتفي وسعره وعن الكتاب الذي أقرأ والعصير الذي فرغت من تناوله، تعجب كبيرهم لمّا علم أن الكتاب يتحدث عن (حافظ الأسد) وقال لي أنه وإخوته جميعًا لا يعرفون القراءة أو الكتابة، قالها بلهجة حورانية مألوفة محببة، وتقافزوا مبتعدين عني إذ ذكرهم بضرورة الإسراع بالعودة.


          وحيدة أجلس... تتلاشى الضحكات خلف صورة أظفارهم الطويلة المتسخة، التي بدا الجهل متراكمًا تحتها، بدا رماديًّا أسودًا، أحسست بثورة البعث قابعة هناك، أحسست بدورة الثأر سببًا أوحد لهذه الصورة، دعوت لكبيرهم أن يبقى اللمعان في عينيه ليشذب هذه الأظفار الناعمة قبل أن تصبح معتادة، نظرًا لأني لا أملك فعل ذلك.




الاثنين

دمشق... ولا زلتِ بسمة الحزن





          بعد أن شارفت الثورة على إتمام سنتها الثانية، لم يعد لي قِبل بمتابعة المستجدات السياسية كافة، صرت أضعف من أن أتحمس لخطوة دون أخرى، ولم أعد أرغب بمتابعة تحليلات التحركات الدولية المشلولة وأبعادها فقد بات معظم الأمر مكشوفًا واضحًا للجميع، ولن افترض أني على إطلاع كافٍ بالوضع الإنساني ومن قبله الاجتماعي، فلا زالت تفجؤني محاولات خلق الحياة وبثها من العدم، ولا زلت أجد في نفسي قدرة على التأثر بعد اعتقادي بنفاد الإحساس داخلي، كما يستمر الانترنت بوصفه نافذتي الأوسع على الثورة برفدي بصور عن الحياة اليومية والأدب والموسيقى والفنون السورية بعامة والثورية بخاصة.


           وفي هذا الصدد قمت بالبحث عن كتب تتناول دمشق في سياقها الطبيعي أو العاطفي، فكان أن صادفت رواية دمشق: يا بسمة الحزن للروائية السورية ألفت الإدلبي، التي لم أحسب أنها ستفتح نافذة أخرى مغايرة ليس على الثورة وحسب بل على الثورة والحياة والأنثى والتضحية وثنائية الحزن والفرح المتلازمين أبد الدهر، كنت قد بدأت قراءة النسخة الإلكترونية مدفوعة بالشوق الدفين للمدينة\ التاريخ وقد جذبتني حقًّا بأجوائها الدمشقية لكنني ما لبثت أن تركتها مرغمة لحظة أحسست بترف القراءة عن سوريا في هذه الأوضاع... أعادني ترف في الوقت إليها بعد حين، وما إن أحرزت فيها تقدمًا حتى ذهلت لشدة تطابقها بسوريا اليوم، لكأنها تستطيل لتكتبها أقلام وأوجاع حاضرة، على اختلاف العصر والأدوات.


          وها أنا الآن بعد الفراغ من تأملها سأعرض لها في هذا المقال، لا عن طريق إعادة سرد أحداثها وتلخيصها بل في ضوء تماسها وتقاطعها مع الثورة السورية المعاصرة، وبالابتداء بعتبات النص نجد أن العنوان، دمشق: يا بسمة الحزن، لا زال منطبقًا عليها، فها هي دمشق الآن بسمة الحزن وبسمة العتمة وبسمة الرماد... والدماء، دمشق التي تصلَح كل النعوت بها وتعلو أن تكون نعتًا لشيء، دمشق التي يجهد محبوها بالنداء عليها تسمعهم ولكن يحجبهم الطاغية أيًّا كانت هويته.
 ويأتي عنوان الترجمة الانكليزية: Sabriya: Damascus Bitter Sweet
 ليضيء جانبًا آخر هو الجانب الأنثوي البطولي الثوري الذي ينطبق بطبيعة الحال على نساء سوريا اليوم، فشأن البطلة "صبرية - التي لها كل النصيب من اسمها-" شأن حفيداتها اللواتي يصطبرن على الخسارات الفادحات لمعظم الأشخاص والأشياء، وهذا الجانب الذي طغى على الرواية دفعني بدوره لبحث التشابهات بين أحداث حياة صبرية وأحداث عاينتها مؤخرًا.



           وقد استوقفتني مشاهد سأوردها ليست محورية في جسم الرواية بالضرورة، ولكنها تشابك بين الماضي والحاضر، فصبرية التي تعاني تضييق قيود المجتمع والعائلة والأعراف الاجتماعية وتحاول الانعتاق منها ببعض القوى التي أوتيت هي ذاتها الفتاة السورية التي تعي موقعها في التركيبة الاجتماعية وترغب التحرر من ذات القيود التي وإن خففت لا تزال تكبلها، وعلى صعيد آخر فإن صبرية التي لا تتوانى عن بذل أغلى ما يمكن بذله؛ أي حليها الذهبية في سبيل الثورة هي ذاتها الأخت والأم والزوجة السورية التي استغنت عن مظاهر الجمال في سبيل تأمين الحياة ومتطلباتها.


          تعاني صبرية من حجابها الذي فرض عليها في وقت مبكر جدًّا، متحملة وزر جينات الطول لديها، تلك التي تجعلها أكبر من عمرها، تشعر به حاجبًا للدنيا، للهواء والطبيعة والألوان، ومرافقة أخيها وصديقه إلى المدرسة، ولعل الحجاب يوظف بصورة رمزية بالإضافة إلى حقيقته، فهو كما يبدو السجن المصغر أو المبدئي لهذه الفتاة التواقة للحياة، ولقد كان من دور الثورة المعاصرة أن هيئت لعدد ما من الفتيات مراجعة علاقتهن بالحجاب ونتج عن ذلك التمسك به أو التخلي عنه، وبدا خلعه في أحد المظاهر خلعًا للسلطة والقيد واندماجًا في الحياة وإن لم يبرر الجميع ذلك! 


          وعلى الرغم من تصريح صبرية بضيقها من الحجاب إلا أن الرواية لا تتخذ موقفًا متطرفًا منه بل يصبح أداة مساندة للتظاهر ومساندة الثورة ضد الفرنسيين، ويتجلى هذا في المشهد الذي يعرض للمظاهرة الكبرى التي أشركت فيها النساء وقد أسدلن حجبًا سميكة عليهن لإسكات كل الحجج، هكذا يتضح نهج الرواية الثنائي تجاه المسألة ففي البداية هو شخصي يعاين رأي صبرية منه وبعد ذلك هو عام وجمعي يعاين مكانته في المجتمع الدمشقي، وكذلك هو الوضع الآن فقد وصلتنا المحاولات الشخصية لنزعه والتحرر منه وكذلك الرأي الجمعي حوله الذي تمثل في الحفاظ عليه وإن تغيرت هيئته قليلاً.


          وبتوازٍ مع ما ورد في الرواية من دعوات للسفور عرض لها عادل الشاب المثقف المتفتح وجلبتها الصحف من قبله لساحات النقاش، ظهرت في وقتنا مجموعات تدعو له كذلك، تعرض لها عدة أطراف جلبها الفضاء الالكتروني للنقاش، مثال عليها مجموعة صفحات سافرات (سوريات، كرديات...)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تغير منطقة الحفر مع الابقاء على الأدوات ذاتها، وقد لا يتطابق مفهومي السفور في الدلالة من ذلك العصر إلى هذا العصر ولكنهما يستندان إلى ذات القاعدة، وبتقديري فإن السفور في الدعوة الأولى حسبما ورد في الرواية منطلق من المعنى اللغوي الدقيق للكلمة وهو: كشف الوجه، بينما أن السفور المستخدم في عصرنا هذا يأخذ طابعًا معنوي أكثر منه مادي، فمنشورات الصفحة مثلاً لا تعلي من إثبات الحجاب الشرعي أو نزعه، بل تركز على نزع حجاب التهميش والإقصاء والإلغاء، ولست أظن الجدل الذي قام في زمن الرواية بأقل من النقاش الذي قام الآن، فلا يزال الدعاة يدعون والنهاة ينهون.


          على صعيد آخر تعرض الرواية مشهدًا في غاية الحساسية، حين يبتغي الأب أن يطمئن على شرف العائلة، بعد أن تكذب صبرية حول تأخرها عن المنزل لتقول أنها كانت في أحد المخافر إثر اشتراكها في المظاهرة السابقة الذكر، هذه الكذبة التي حولّت مسار حياتها وأوقعتها في شرك الذل والهوان، فقد كان الأذى الجسدي معروفًا ذاك الذي ينتج عن توقيف فتاة بيد الفرنسيين إثر انتمائها للثورة، وتتجرع صبرية ألم التجربة وقد نودي بالداية للكشف عليها، هذا ما يقارب حال بعض السوريات المعرضات للاعتقال أو غيره اليوم! مع اختلاف هوية الفاعل وتعاظم جرمه، فما كان شائعًا عن إجرام الفرنسيين يشيع الآن عن إجرام عصابات الأسد ولكنه يبدو أوقح وأشد، ومما يذكر في هذا الشأن تصريح لإحدى ناشطات الثورة المعاصرة يشابه في تعميمه المتسرع ما وقع به أهل صبرية فهم متأكدون من تعرض جميع الفتيات للاغتصاب كما أكدته الناشطة وقد أثار تصريحها جدلاً واسعًا جعلها شبه مرفوضة لدى الأوساط الثورية.


          لقد تصدت جهات عديدة لمجموعة الأقاويل المثارة حول الفتاة السورية وجسدها بعد أهوال ما أصابها، وكان من بعض الحلول الزواج الذي قامت ضده ثورة معاكسة لا تراه الحل بل تراه تضخيمًا للمشكلة، بوصفه غير عادل على الأقل فهو يزيد من الاضطراب النفسي للفتاة المكلومة، ومثال ذلك صفحة لاجئات لا سبايا التي تحاول جهدها أن تحول بين الفتاة وهذه الصفقات الظالمة، وقد بدأ الحديث في الرواية عن الفهم الخاطئ لشرف العائلة ليماثل تمامًا الحديث عنه في عصرنا الحالي، تكاد الجمل تتطابق، لوحدة الأنثى أمام هذه القضايا، ولانعدام الحلول منذ ذلك الوقت...


          تحمل الرواية تقاطعات أخرى في الأغنيات والمشاعر والوصف لدقائق الحياة ومآلاتها، ولم أعرض إلاّ لنزر قليل من هذه التقاطعات، تاركة المتبقي منها للقارئ الفضولي.

          إن قراءة هذه الرواية في الوقت الراهن، تصيب المطلع على الثورة السورية المعاصرة بقشعريرة دائمة، العالم يمشي نحو الماضي بلا هوادة، ومفردات الثورة هي ذاتها على مر الزمان، والخاسرات هن الخاسرات، وها هي دمشق... تستريح على أكتاف من تعب.

الأحد

أحسن واحد




          فيلم يحكي عن أخلاقيات التواصل الاجتماعي على الانترنت، وهو أحد مخرجات ورشة عمل مع مؤسسة فريدريش ناومان ومعهد الإعلام الأردني.


الاثنين

ما هكذا تورد الإبل!

                [06.jpg]

           حُسم أمر التوقيت في الأردن، وثبتت الساعة على حالتها صيفًا على مدار العام، وهكذا دخلت الحكومة المستجدة عالم اتخاذ القرار من أوسع أبوابه، قافزة عن حاجز صناعة القرار، وأدخلت الشعب معها في حوار من طرف واحد، يدلي بدلوه وينتظر مستمعًا، وينقسم إلى مؤيد ومعارض وغير مهتم كالعادة، وانبرى غير مسؤول وباحث لتبرير القرار وأبعاده الصحية والنفسية والمادية على الشعب الأردني بعامة، ودخل القرار حيز التنفيذ مع تخويل للمسؤول المعني بالنظر في إصلاح أمر الوقت لديه.

          لربما كان بعضنا ينزعج من تعقيبات الناس بعامة على القرارات المسبقة، بالأخص السياسية منها بحجة أنها آراء لا تبنى على معرفة وإنما هي لغو وحسب، ولكن وفي هذه الحال ليس التدخل لغوًا إنما رأي وجيه ينبع من ممارسة يومية وتأثر فعلي بنتائج القرار من سلبيات وإيجابيات، قد لا يجتمع الناس على الحق دائمًا ولكن عندما يكون في اجتماعهم تساؤل مشروع عن منطقية هذا القرار ومغزاه ومدى فاعليته ينبغي على الجميع الإنصات وإعادة النظر.

          ترجع تاريخية إقرار العمل بالوقت الصيفي إلى بدايات القرن المنصرم، وجوهر الفكرة يقوم على تقديم الساعة بواقع 60 دقيقة، أي أن التوقيت الشتوي هو الأصل في العالم كله والتعديل هو التوقيت الصيفي، من هنا يبرر استهجان الناس لإيقاف العمل بالتوقيت الشتوي الذي يعد التوقيت العادي الطبيعي لساعات العالم، وعليه فإن العمل بالتوقيت الصيفي طيلة أيام السنة مخالف للفكرة الأساسية التي انبثق منها ويعيدنا إلى اقتراف ما كان يجب تجنبه.

          لقد طرح القرار في دول الشمال لسبب بسيط جدا وهو رغبتهم بإزاحة الأعمال والمشاغل إلى وقت تسطع فيه الشمس، أي ببساطة زيادة ساعات النهار، وما إن يختلف الأمر بتغير الفصول يعود الوقت إلى سالف عهده وأصله أي إلى التوقيت الشتوي، فما الذي حدا بالحكومة لتثبت وقت الدولة على التوقيت الصيفي؟! هل تجهل أنه التعديل والفرع الذي جرى على ساعات العالم؟! يبدوهذا واضحًا.

          تخالف الحكومة بقرارها الاعتباطي حياة الإنسان الطبيعية وحياة الشعوب كذلك، نحن لا نعارض القرار لأننا نرغب بكسب ساعة نوم إضافية، بل لإننا لن نعتاد أبدًا على الخروج للعمل والدراسة في ساعة لا نرى فيها الشمس، ولا ينبع رفضنا من كوننا شعب يلغو باستمرار بل لأننا لا نرى الأفضل لطلاب المدارس الخروج مع ساعات الشروق الأولى، في بلد يتيح لها مناخها الانتظار، ثم إن هذا التأخير المستمر للوقت يتطلب زيادة اجبارية على موعد الانتهاء من الدوام الرسمي، ولا يخيل إلي أن الأهالي سيشعرون بالارتياح حيال عودة أبنائهم ذكورًا وإناثًا في وقت متأخر حتى وإن طالت ساعات شروق الشمس.

قرارات وتبريرات

" أعلن وزير الدولة لشؤون الاعلام ووزير الثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة سميح المعايطة ان مجلس الوزراء قرر ان يكون دوام الوزارات والدوائر والمؤسسات والهيئات العامة من الساعة الثامنة والنصف وحتى الثالثة والنصف اعتبارا من صباح يوم بعد غد الثلاثاء.صحيفة الغد"

         حسنًا، إذًا، الآن فهمتكم، تبقون على الساعة زائدة عن أصلها بواقع 60 دقيقة، لتعلنوا أن الدوام الرسمي سيبدأ عند نصف الساعة... هل هذا منطقي؟! هذا تدارك فاشل وحسب، ثقافة الوقت ليست أصيلة في نفوسنا والتقاعس عن العمل بلغ أوجه عندما كان نظام العمل على رأس الساعة قائمًا، فما هي الحال التي سنصبح عليها إن قام العمل بالأنصاف؟!

          يبرر وزير المالية سليمان الحافظ هذا القرار ويضيف الجملة التالية:" ما المانع من تغيير دوام المدارس ليبدأ الساعة التاسعة، وكذلك البنوك، مشيرًا إلى أن المطلوب توزيع حركة الخروج من المنازل بساعات وأوقات متباينة مما يساهم بتخفيف أزمة السير.موقع وجهات".

        هل هو الأمر كذلك فعلاً؟ هل يتخلص المغزى بتخفيف أزمة السير؟ وهل بالفعل لا يوجد مانع من أن يبدأ الناشئة الصغار يومهم بواقع ساعة زائدة على ما اعتادوا عليه؟! المانع برأيي أن الشعوب تسعى لكسب الوقت لا إلى إهداره، حتى البنوك التي تحدث عنها لم تستجب لذلك وأبقت على موعدها الرسمي متحملة الضرر المترتب، ثم إن آخر ما أود الاعتقاد به هو حلول مبررة من وزير المالية حول مسائل أزمة السير!. 

         ستجد الحكومة نفسها في نهاية الأمر ملزمة باعتماد التوقيت الشتوي، فقط لأنها قفزت عن حاجز صناعة القرار الذي أشرت إليه في بداية مقالي، ستجد نفسها وتجدنا منهكين من القرارات المتسرعة التي تهدف لإيقاف العد العكسي في عمرها ولو ساعة واحدة!.
___________
اللوحة: Melting Clocks By Salvador Dali 1931

الأحد

قطط داوننغ ستريت

                                  قط كاميرون
                   
         قبل بضعة أيام، اعتزمت تغيير اسم مدونتي ليتوافق مع المرحلة النفسية التي أمر بها، وليرقى لمستوى كل ما نعيشه أو بالأحرى ما صرنا نعيشه، فلم أعد أرى الألوان في نيسان أو غيره، بل صرت أبصر المجاز في كل ما أصادف.

                    ولأنني لم أرغب بتغيير الشكل فقط، حاولت رسم مخطط تدويني أوثق صلة بالحاضر وبالمشكلات التي أشهدها، ولكن ظل المخطط رسمًا في خيالي لنقصان في القدرة أو الرغبة أو الحافز... ظل كذلك إلى أن استيقظت فجر هذا اليوم ولم استطع استراق غفوة فقد طلعت الشمس وبدأ الناس مباشرة حياتهم، لكنني -وعلى غير عادتي- رغبت بسماع ما يذاع في الراديو، فلقد سئمت الصباحات الفيسبوكية القائمة على تكرار كل ما يمكن تكراره، ولحسن حظي -ربما- فقد أضحكني اليوم ما أبكاني وأبكى دول الجنوب على الدوام.

                                    ثبت مستقبل الراديو بعد انتقالتين، الأولى من إذاعة محلية تذيع أناشيد تبشر بقرب الجنة (فقط في أوقات الصبح والصلوات)، إلى إذاعة عبرية تغني فيها أنثى بصوت عذب، والثانية من صوت هذه إلى الأنثى إلى (بي بي سي العربية) وثبتت كل مستقبلاتي الحسية للتثبت من الخبر الذي سمعت مفصلاً.
 (اضغظ الرابط لقراءة الخبر كاملاً)

                    ضحكت وظننت الأمر عابرًا ولكن التقرير جاء ليؤكد لي أن التوتر قد حصل وأن المعارك شرسة، حتى إذا ما خشيت على نفسي من أحلام اليقظة، دعّم القارئ صدق مقولته بأصوات القطط وهي تتعارك... لقد أملت أن أسمع صوت فيروز ولكن هذه القطط المنزعجة من بعضها أدخلت لنفسي شيئًا قد فقدته، هل هو الضحك الحقيقي؟ أم هو العجب المسوَّغ في عالم يجعلك معتادًا على كل شيء؟

                    لكن والحق يقال، قططهم ليست ككل القطط فالنزاع بينها سياسي من الطراز الرفيع، وملخصه أن كاميرون قد أحضر القط (لاري) للتخلص من الفئران (حتى 10 داوننغ ستريت فيه فئران!!)، واستغرق تسعة أسابيع لإنجاز أول عملية متفق عليها (أمر منطقي إنه في المنزل رقم 10، ما حاجته لاصطياد فأر؟! بالتأكيد هو متخم بألذ الأطعمة، أو لعله يمهله وقتًا ليقينه بالنعيم المقيم في المنزل رقم 10)، ولكن ليت تخاذله الوطني وقف على ذلك، فلقد شوهد مسترخيًا أثناء عبور أحد الفئران لمكتب كاميرون مما أشعر الأخير بالإحباط (هل حقًّا كتبتُ الجملة الأخيرة !!)، أرجوك كاميرون لا تشعر بالإحباط بإمكاني إرسال كل قطط الحي، وأنا أضمنها لك، لن تبقِ على فأر في كل ويستمنستر!

                    ومن هنا بدأ الصراع، رغب القط فريا الذي يملكه وزير المالية صاحب المنزل المجاور الذي يحمل الرقم 11، بإظهار حسه الوطني العالي وشجاعته، وسارع إلى إيقاظ مبدأ الرجل\ القط المناسب في المكان المناسب، ليحظى بلقب القط رقم 1 في داوننغ ستريت حسب تعبير بي بي سي، يا لذكائه! يبدو أن مالكه أحسن تلقينه كل دروس النجاح!

                    حسنًا، سُعدت لكل هذه التفاصيل ولكنني انفجرت ضاحكة بأسى للتفصيل الأخير الذي يورد "تصريح" المتحدثة الرسمية باسم كاميرون والتي نفت بدورها "حدوث أي توتر في العلاقة بينهما وقالت أنهما غالبًا متفهمان لكنها لن تدخل في أي تفصيل عن مغامراتهما لأنها يعتبران بمثابة الأصدقاء الأوفياء لسكان داوننغ ستريت"، لربما في هذا عزاء لشعوبنا، بلدان بأكملها ينكر عليها حكامها حدوث الثورات، ووزراء وضعوا لنفي كل شيء وأي شيء، ولكن حتى هذا النفي المنمق من المتحدثة نال شيئًا من الحقيقة والأهم قبلها الجدية في التعامل.

                    لن اتطرق لكل المفارقات الرهيبة الموجعة التي أعادني لها هذا التقرير، هذه هي السياسة إذًا، أن تجلب القطط لمناطق النفوذ فتحسن بعضها وتفشل أخرى وينازع الأقوى والأجدر على أحقيته في التخلص من الفئران وإثبات الجدارة.

                    كان آخر ما رأيت على التلفاز البارحة مقطع لأحد مقاتلي الجيش الحر في سوريا يصف انعدام مظاهر الحياة ويأتي مظهره مصدقا لما يقول ويستءل عن العالم الغائب المتناسي له ولشعبه، ونمت لاستيقظ على هذا النزاع السياسي الشمالي البعيد بين قطي كاميرون وأوزربون، هل استطيع التساؤل بعد عن كينونة هذا العصر الذي أعيشه؟! هل يحق لي التساؤل؟! هل يحق لي أن أعيشه أصلاً؟!
    _____________
هامش لا بد منه: لقد عانيت أثناء كتابتي لهذه الكلمات، لشدة ما ضحكت من عجائبية صياغة هذا الموقف.        
هامش آخر: الصورة أعلاه ليست تعبيرية، هي صورة القط لاري، ما إن رأيتها حتى قلت بتلقائية: "نظرتك ترعبهم يا سيادة القط!!.
  

الخميس

صديقي المغترب


                                              
                                             

         عاد له الأرق المزمن مجددًا، وقد جرّب غير نوع من العلاجات التي لم تفلح، أراه يرهق نفسه بالأفكار والتساؤلات وتفادي الإحباط، يسألني يوميًا عن موعدي نومي واستيقاظي وكأنه يريد موآزرًا بيد أن حقيقته مناقضة تمامًا، يعاتبني لمَ لم أكتب مؤخرًا، وإذ أجيبه بخلو الخاطر من موضوع مُلح، أراه ونفسي وحالنا كذلك.
         
          كلانا يقوم برد الفعل تجاه هذه الفوضى، هو يخاف أن يفوته شيء ما إن خلد للنوم -على أنه يدرك أن لا شيء يحدث-، وأنا أريد أن أفوّت كل شيء، لعجزي عن الفهم والاستيعاب.

          صار يمعن في غربته ويحدق فيها لتبادله التحديق بدورها، حتى باتت صغرى الأمور تكّدر عليه يومه وتدفعه للتضجر، وصرت أمعن في تغرّبي باندماج متكلف مع كل ما حولي وباتت كبرى الأمور تعبر... وكأن شيئًا لم يكن.

         حلمه أن يغترب دون عودة، إذ اسميه مغتربا على اعتبار ما سيكون، حلمه أن يزور هذي الأرض كالغريب غير المشتاق المنتمي بالتكلف، ليس لأنه لا يحبها، بل لأن هذا الحب بات باهظ الثمن، وحلمي أن أعايش الواقع مسكتتة هذا الاغتراب الذي يجعل كل شيء غير ذي قيمة لا يستدعي التوقف والتساؤل، حلمي أن أجد ما يدفعني بحق لانتماء أبعد من غواية شاعر.

          كلانا مثقل بغربة واقعية لا سبيل للفكاك منها، نتصرف حيالها بسبل متباينة ولا تظهر إحداها تفوقًا على الأخرى، وكلانا يأمل غربة متخيلة مشتهاة نعلل النفس بها ولا نعلم أنّى ومتى تكون!
____________
اللوحة: Plate 5 from Juan Miro Lithographs II
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...