الجمعة

خارج السياق





          كانت كل محاولاتي في تجاهل هذا المحيط ناجحة، كانت على الأقل لا تفشل، هذه المحاولات التي يمليها علي اضطرابي بين الواقعي والمأمول، بين ما أنا عليه وما أود أن أكونه، هذه المحاولات التي يعززها المزيد من الاستقرار المفتعل والإشارة إلى أننا بخير... رغم كل شيء، كان كل ذلك ناجحًا إلى أن عاودتني كل التساؤلات بسبب موقف أكّد لي أن التجاهل المتذاكي لهو أغبى الأسلحة.


          كنت في إحدى محاضرات مساق التشريح والأجنة هذا المساق التي انتظم فيه جميع طلاب طب وجراحة الأسنان للسنة الثانية في جامعتي، القاعة تضم عددًا كبيرًا من الطلاب، وموضوع المحاضرة الدقيق: 
Abdominal Vasculature: Venous drainage ...
لعله بالعربية: الأوعية الدموية في البطن: الجزء الوريدي، وبعد أن انتهى المحاضر من تفصيلات الموضوع أتى على ذكر مرض مرتبط بالأوردة البطنية يسمى: caput medusa: head of Medusa، أي رأس الميدوزا... حاولت أن أدرك سبب وجود كلمة (ميدوزا) وجاءني الجواب إذ نظرت إلى صورة توضيحية، وعرفت أن التشبيه قام على أن الأوردة حول السرة اتخذت شكل رأس الميدوزا في الميثولوجيا الأغريقية، تذكرت بعدها على الفور لوحة جريكو-غرق الميدوزا التي تنتمي إلى المدرسة الرومانسية، وبدأت أتذكر ما قرأت مسبقًا عن هذه اللوحة والنقاشات التي دارت مع والدتي حولها وحول رمزيتها... وما أخرجني من هذا كله إلاّ ضحكة تعالت من الطلاب حولي ما إن عرض المحاضر صورة للميدوزا في التخيلات الفنية؛ ليوضح لهم سبب تسمية المرض بهذا الاسم، وكانت حيرتي من ذلك عظيمة، حاولت أن أجد سببًا مقنعًا يدفعهم إلى الضحك، أو إلى الاستغراب أو حتى إلى عدم المعرفة المسبقة بها، ولكن انتهت المحاضرة ولمّا أجد ذلك. 


          إلى هذه اللحظة ينتابني شعور عميق بأننا خارج السياق، وبأنني -على الأخص- خارج المكان، كانت هذه إحدى مخاوفي العظمى، وهاي هي قد أصبحت واقعًا، وما علي الآن سوى أن أتابع وأن أتذكر ما يقول الفيسلوف رالف بارتون بري في كتابه (إنسانية الإنسان) عندما يصف هذا العصر إذ يقول: "نحن لا نعيش في عصر التقبل السلبي للأمور بل في عصر التغيرات والعمل والعنف والفوضى"، ولذلك فمن المؤسف بحق أن تتردى مطالبي من أرقى محاولات المزاوجة بين الفنون والعلوم إلى أدنى درجات الاحترام والمعرفة، باعتبار المعرفة ضربًا من ضروب الاحترام، ولكن من دواعي الأمل أن انتظر اكتمال تصوري عنهما وأن أسعى لذلك بنفسي.


           لربما ينجح السعي الحثيث لمجتمعاتنا في تقديم العلم الحديث على مكونات الإنسان الروحية، ولكن ما إن يقر المجتمع هذا التقديم الذي يتضمن الإنكار في داخله لن يكون منخفض القيمة فحسب بل سيجلب الهزيمة على نفسه*، ولربما كان هذا مقدّر لنا بعد كل الاضطهاد الذي عانته وتعانيه مجتمعاتنا ولكن هذه الحجج تتهاوى مع وجود شعوب أخرى تنفض عن نفسها ركام الاستبداد وتعلن أن إنسانها أقوى من أن يؤخذ بلمعان الأشياء الظاهري.


          إنني أخاف أن يأكل ذئب هذا الواقع الغريب ما بقي من إنساننا، وليس لي من عصبة مؤتمنة عليه، وليس لي أمل بسيّارة آمنين ليأخذوه ويزهدوا به، وليس هناك قميص من بعد يرد إلي ناظري إن ولّى بفعل كل هذا الغبن وكل هذه الحيرة.
_________________
* تنويعة أخرى لما ورد في صفحات كتاب إنسانية الإنسان.
  اللوحة:The Two Frida-s، للفنانة (الطبيبة) فريدا كالو.

أنا أريد إسقاط سمير


          تلك النكتة التي أطلقها الفنان أيمن رضا تحولت في نظري إلى رمز طاغية ينبغي إسقاطه بكل الأشكال وبأي ثمن، سمير الذي أصبح الجواب على كل سؤال في نطاق المزاح أو في خضم الجد، الذي أصبح الشغل الشاغل لنا، سمير الذي يرافق الجميع أحبوه أم كرهوه، سمير الذي يلخص تعلقنا بالهرب الغبي كعلاج لكل شيء.

          تعليقاتنا وإجاباتنا اليومية العابثة لا تعكس حالات نفسية متعددة بقدر ما تعكس الفكر الجمعي لقائليها، واليوم باتت عملية البحث عن هوية سمير تؤرق من حولي لدرجة الاستماتة، وباتت ملمح سذاجة لا يطاق أو ربما لا مبالاة لم تعد تتناسب مع 2011.

          الهوس بسمير والاجتهاد في إقحامه بكل تفاصيل حياتنا يذكرني بدعاية تبث على قناة نيكيلوديون للأطفال من هنا، حيث يظهر فيها أن نيكيلوديون أصبحت اسم الطفل ومنشؤه ومدرسته وهوايته، ليجن السائل في النهاية ويتساءل عن قصده ويجيب الطفل: ما تعرف نيكيلوديون !!، لطالما أزعجتني هذه الدعاية لأني أراقب متابعيها من البراعم الغضة يقلدونها لترتديهم البلاهة وانعدام حس الفكاهة بعد عدد لا بأس به من المرات... سمير هو نيكيلوديون الكبار، من أي حزب أنت؟ حزب سمير، مع من تناولت غداءك؟ مع سمير، من تحب؟ سمير طبعًا، متى ولدت؟ عندما ولد سمير، ما هو لونك المفضل؟ لون سمير، ما هي هديتك المفضلة؟ معرفة هوية سمير، هدية من سمير، أحب كل شيء من سمير...

          هذه ليست ظاهرة يمكن أن يغض الطرف عنها، ليس في هذه الأيام، فلو كانت الاستماتة على معرفة هوية القتلة ومحاسبة الطغيان وإنهاء الفساد كتلك الاستماتة على معرفة هوية سمير لكان ربع 2011 الأخير مفرحًا يتمد فيه الربيع ونتنشق عبيره في كل أجزاء هذا الوطن الكبير.

          أنا أريد إسقاط سمير، أطالبه بالرحيل الفوري العاجل، سمير الذي بات يخيفني أكثر من جاسوس الأنظمة القمعية، الذي يعيقني أكثر من عامل غبي أبله في ميدان البناء، الذي يسرق حاضري ومستقبلي أمام ناظري أكثر من أي مستعمر داخلي أو خارجي، سمير الذي أجلسناه في صدر مجلس قضايانا وشربنا على شرفه دماء الأبرياء.

          أنا لا أغالي، فما هو إلا إحدى تكشفات فراغنا وهشاشتنا الداخلية، ما هو إلا وجه جديد لجهل سيطبق فكيه علينا قريبًا، سمير ليس المذنب وسيجد غالبية موالية بحكم شعبيته، المذنب هو الذي يرتضي كل هذا الاستلاب ويغطي كل الجهل والبعد عن السياق بكلمتي المزاح والفكاهة، هكذا تولد الطغاة وهكذا تحافظ على وجودها، تصعد شعبيتهم وينالون جل الاهتمام على عللهم، نعجب بهم لأمد طويل وما إن نكتشف غباءنا ونريد التراجع تتصاعد الهتافات بتبرئتهم وإتهام من يعملون لديهم بتضليلهم وحتى عصيانهم، ويخرجون على أنهم أفضل مما يقال وأحكامنا بحقهم مجحفة.

          هكذا يتفشى الجهل في الشعوب، بهذه الرموز الخرقاء، وبهذا الاستعمال التعسفي لها في جوانب الحياة، سمير... ارحل، أعلم أن البقاء يطيب لك ولكن 2011 تحمل عناوين تفوقك عظمة وأهمية، لا تجمع المريدين فلست شيخ طريقة، أنت وهم صنع عبثًا وعن طيب نية، ولكن تبدو الأوثان هنا غير كافية لتعبدها هذه الشعوب الغارقة في الجهل فازددت أنت عليها وأصبحت كبيرها.

          حسنًا، لندعو بقدوم من يكسرها ويبقيك ويضع الفأس بين يديك، ليسألك القوم... يا كبيرهم... مالي ومال هوية الأوهام، أنا أبحث عن حرية معتقة لا عن قيد جديد، ارحموا أنفسكم وارحمونا من عناء هذا النزق وويلاته التي ستجر علينا، فأيقونة الجهل ستتحفظ على هويتها إلى أبد الآبدين، فسمير رفيق دربكم لهو بحق مقتلكم.
--------------------
الصورة أعلاه من أحدى صفحات (مين سمير؟؟) على فيس بوك.

الاثنين

صمت حدودي


 الحدود الأردنية السورية 
------------------------ 

صمتٌ هنا... وصمتٌ هناك...
وشهداءٌ ما بينهما.

 

أعيـــاد !!


سيكون العيد حتمًا... 
عندما تشرقُ الحرية. 

عن المعرفة 3

      

          يقول بول فاليري: "الغرض من علم النفس إعطاؤنا فكرة مختلفة تمامًا عن الأشياء التي نعرفها جيدًّا". 

أدرس حاليًّا مساق "مدخل إلى علم النفس" باللغة العربية، كمتطلب جامعي للفصل الأخير من سنتي الأولى، وكان السؤال الذي استهلت به المحاضرات: لماذا انتظمنا في هذا المساق دونًا عن غيره؟ لم تكن الإجابات كثيرة، كانت إجابتي أنني آمل أن أجد فيه جزءًا مما أميل إليه بطبعي، جزءًا من العلوم الإنسانية التي تهمشها الجامعة بحكم أنها علمية بحتة، وأيضًا لاعتقادي بأهمية هذا العلم في حياتي وحياة الآخرين من حولي، حدد لنا المحاضر طبيعة الأمور منذ البداية وأوضح لنا ما يتوجب فعله على مدار الفصل وأشار إلى الكتاب المرجع.

          تسير المحاضرات بشكل تفاعلي جميل جدًّا... ولكن هناك خطأ ما يحدث!! 

خطأ يشعرنا جمعيًا أننا نقرأ طلاسم لا نصل إلى هدفها، خطأ يجعلنا مذهولين وبعيدين، نقرأ عن النظريات والتجارب والعلماء وانجازاتهم ولكننا في العمق نعاني من استيعاب هذا العلم، أو بالأحرى من جدوى استيعابه؛ لأننا نشأنا على أنه في الزاوية المظلمة تلك، لا نحتاجه ولن، نشأنا على أنه للغير، لمن يعانون من تصدعات أكبر منهم، لمن لا يلجأون إلى بعضهم في المصاعب، لأولئك الغرباء البعيدين المنفصلين كليًّا عن المسلمات الكبرى... نشأنا على أن فرويد محض ملحد، لذلك يتوجب رفضه ورفض كل ما جاء به، على أن الفلسفة وتشعباتها هرطقة محضة تودي إلى الهاوية، أنها ملجأ لمن يعانون من أمور يصعب علينا تشخيصها، أنها طريقة هلاك... هكذا وصلنا إلى مرحلة نجهل فيها كل التفاصيل والخطوط العامة على السواء، إلى أن أصبحنا على يقين بأشياء لم نفكر بها للحظة.

           حسنًا، ما السبب؟! هل السبب نحن؟! ولكن في الأصل من نحن؟! 
مجموعة النظارة والجمهور والمستمعين... في حضرة آخرين يخططون وينجزون؟! 
أم نحن بالفعل كما نزعم في كل محفل، صناع الغد وملاّك الإرادة...
          هل السبب "هم"؟! هم... هذه الكلمة المطاطة التي نكثر استعمالها لأننا دائمًا نحتاج إلى تبرير لتخلّفنا عنـ "هم"...
          هل السبب هو الدين، الثقافة، السياسة، الاقتصاد؟! 
          لا أرى للاحتمالات نهاية ولكن أرى وبكل وضوح صحة قول نيتشه: "الاعتقادات الراسخة، هي أعداء الحقيقة بل هي أكثر خطرًا من الأكاذيب"، وأرى أيضًا إعاقة التحول المطلوب من قبل المنهجيات التعليمية التي تضعنا أمام معارف ضرورية بالصدفة.
         
           إن بقينا نعاني من النظرة التصنيفية للعلوم والعلماء، لن نجد أنفسنا في أي مكان، إن بقي التفكير في الاتجاهات الفلسفية والفنية والنفسية منطلقًا من ديانة مبدعيها وانتماءاتهم وأحكامنا المسبقة وقوانينا المزيفة الجائرة لن نكون إلا أكثر مأساوية وبعدًا، وسنحكم بالفشل السريع على خطة الحرية التي لم ننجز منها إلا الأحرف الأولى.

          معرفة أحدهم بالوجودية لا تتطلب اعتناقها، اعتقاده ببعض الأفكار النفسية لعلماء بشر في المرتبة الأولى قبل كونهم ملحدين أو مؤمنين، لا يؤكد توافقه مع كل ما هم عليه، ولا يفرض عليه أن ينسلخ عن مبادئه وقناعاته الخاصة، اقتباسه لأقوال غوته أو برنارد شو أو داروين لا يعني أنه من معسكر الأعداء...

          إنه لأمر محزن أن تنتهي نصف ساعة من البحث السريع في سيرة أحد قامات العلم بجملة: "لكنه كان ملحدًا، ويقال أن له جذور صهيونية..."، هذا مؤسف بحق، هذا غير مقبول، وهو بالتأكيد غير مجدي، لنترك الحكم على الأشياء بالقبول أو الرفض القطعيين، فالحياة وتداخلاتها ليست أسئلة بـ هل تتطلب إجابات بـ نعم أو لا، هي أوسع من ذلك بكثير، وأجمل من أن نحصرها بهذا الشكل.

          لا تؤمن بمعتقدات الآخر إن كانت لا تناسبك، ولكن لا تجعل منها إتهامًا تستخدمه لتعمق قناعاتك بأنك الأصح، وهنا يعودني قول لنيتشه مرة أخرى: " لك طريقك، ولي طريقي، أما الطريق الوحيد الصحيح فهو غير موجود".

الخميس

زهرة بين هاويتين...

 

دمشق...  كل النايات تبكي
ولستُ استطيع الذهاب إليك مشيًّا كأني الصدى 
فقد أوصدوا بابك دوني...

دمشق... تبدين كوصف (فرانز ليست)
للحركة الثانية من ضوء القمر 
تبدين "كزهرة بين هاويتين"...

دمشق...
"كوني دمشق
فلا يعبرون" 
-----------------------------
الصورة بعدستي في إحدى بيوت دمشق
التي تخلت -مرغمة- عن كونها جنة لساكنتها 
فقط لأن الورود تأبى أن تذبل.
بتاريخ 3-5-2011

الثلاثاء

إنه النور...


"انظري... النور كما الأمل، يأتي من أعماق العتمة من وراء حاجبه..."
هذا ما أذكره... هذا ما لا أنساه ولن... 
غادر الوقت الفَرِح سريعًا، فهل للأوقات الحزينة أن تنقضي أيضًا؟
أكملت دورة الشموس في مدارها مرةً أخرى...
...إليك تلفّت أبدًا وخفق...

الأحد

رصيف...



عندما يكون الرصيف موطئ أحدهم... وكل ما يملك الآخر...

------------------------
الصورة بعدستي في أحد شوارع مدينتي (إربد)
بتاريخ 12-3-2011

الخميس

نهاية (غير) متوقعة


انتهى هذا الشهر الطويل، وانتهى أسبوعه الأخير المتعب، وأعلن يوم الخميس – المرهق بحق- عن اقتراب نهايته أيضًا، كنت على قدر كبير من التعب حين شكوت لصديقتي كسلي التدويني، كنا في الطريق المؤدي إلى الكليات الهندسية لنفترق فتذهب هي وأبحث أنا عن حافلة تقلني إلى إربد كما اعتدت منذ ستة أشهر، لم انتظر طويلاً على الرغم من أنه اليوم الأخير في الأسبوع واتخذت موضعي وبدأ مشغل الموسيقى خاصتي يعزف أغنية بلغارية وجدتها بعد بحث دام أكثر من سنتين... لاحظت من النافذة أن السائق قد سلك الطريق الثاني عوضًا عن الأول فبدأت البيوت الأشبه بالحصون تظهر متتابعة، قام السائق بأخذ بعض الركاب عن جوانب الطريق ما دعاني إلى الاندهاش ولكن طمأنت نفسي أنه غيّر طريقه بسبب إغلاق ما لأحد الشوارع أو غير ذلك، بدأت الأمور تتعقد فقد اختفت المعالم التي أعرفها كليًّا... أين أنا؟؟

حاولت أن أنزع نفسي من شرودي بفعل الأغنية وسألت فتاة بجانبي - بعد أن توقعت أني في المركبة الخطأ-: "هاد الباص ما بيوقف بإربد؟!" فأجابتني: لا لا هاد باص الرمثا." لحظة واحدة، لحظة... أنا في المركبة الخطأ إلى المكان الخطأ في الوقت الخطأ... هل يعقل؟؟ اختلط شعوري بالخوف بضحكة لم أكبتها إلا بصعوبة، فأنا قد ارتكبت هذا الخطأ الفادح بكل ثقة دون أن أشعر به إلاّ حين توغلت وصعبت العودة، قررت الاستمتاع بما حصل على كل حال فأنا لم يسبق لي أن زرت هذه المنطقة، وقد ملكت فيما سبق رغبة بأن استقل الحافلة إلى آخر محطة ممكنة ولكنني بعد اليوم سأعدل عنها تمامًا، وبدأت البيوت والحارات الضيقة تتفتح أمامي فأنا سائحة في بلادي، أراها بعين الغريب القريب، المطمئن الوجل، إلى أن استقر بنا الأمر أخيرًا في المجمع الذي يتكئ على مقبرة كبيرة تلاشى معها تضارب الأحاسيس في داخلي ليسيطر القلق... عدد كبير من سيارات الأجرة وحافلتين فقط هل هذه محطتنا الأخيرة؟؟

 توجهت إلى إحدى الفتيات لأسألها عن كيفية الوصول إلى إربد فأشارت إلى الحافلة الوحيدة أمامنا إلى الحافلة الزرقاء، ولأنني لا أدري ما اعتراني سألتها ثانية: أي حافلة زرقاء؟؟ على الرغم من رؤيتي لكلمة إربد قد خطت على جانبها، ولكن في بعض الأحيان نخاف أو ربما نتوتر فنفقد بعض التركيز الضروري... وجدت مقعدًا منفردًا ولم أجرؤ على سماع أي موسيقى أو أغنية فأنا الآن في وضع حرج، وأريد بحق أن أرى وأسمع كل ما يدور حولي، انتصفت الساعة الرابعة ولم يكن قد اكتمل عدد الركاب بعد، راودتني مئة فكرة وفضّلت التبسم وإخفاء التوهان، فلو أنني قد كتبت على جبيني "تائهة من إربد" لما كان أوضح مما أبدته هيئتي...

وانطلقت الحافلة أخيرًا مليئة بالعائلات والأطفال وكبار السن، دفعت أجرتي والتوتر يعتلي ناصيتي، كان علي أن أبدّل مكاني فأنا كما أجبت السائق سأنزل في المحطة الأخيرة وعليَّ أن أترك هذا المكان لأحد سينزل على الطريق، طلب إلي ذلك في جملة بين اعتذارات كثيرة فهو متأكد من أنني غريبة ويحاول أن يعتذر عما كان ضرورة لا مناص منها، وما كان مني إلاّ القبول بكل تفهّم طبعًا، عدت إلى المقعد الأخير ففيه تجلس امرأتان وثلاثة أطفال كانت الطفلة الصغرى بجانبي، لمحتها عندما دخلت الحافلة بشعرها الجميل ووجها البريء الندي، فبادلتها ابتسامات قطعتُها أخيرًا بسؤالي عن اسمها لتقول لي- بثغر قد تألق نورًا-: "إكـــرام.. وانتي شو اسمك؟" فأجبتها: خديجة. وسألتها في أي صف هي؟ فأجابتني أنها في الصف الأول لتسألني بدورها في أي صف أنا؟ ولأجيبها أني في الجامعة وقد انهيت المدرسة واستمر تبادل الابتسامات، حتى ظهرت لي جامعتي من الخلف فاطمأن قلبي وكانت الساعة الخامسة تمامًا، عدت لصديقتي الصغيرة التي شعرت بشبه ما بيني وبينها لأسألها: "شو بدك تصيري بس تكبري؟" فأجابت:" دكتورة... أسنان" ضحكتُ وقلت لها أنني أيضًا سأصبح كذلك إن أنهيت دراستي وأعلمتها أن عليها أن تجتهد كثيرًا في دراستها لتحقق حلمها، وعلمت أن عليَّ أن أحمد الله للصدفة التي جمعتني مع هذا الوجه الساحر ببراءته وعذوبته، بادلت والدتها بعض الكلمات وأعلمتها بقصتي على عجل وأخبرتني أنه قد حصل معها أمر مشابه منذ زمن، شعرت بالحبور بعض الشيء وتركت إكرام الصغيرة وعائلتها لينزلوا وجهتهم... دارت أحداث هذا اليوم العجيب سريعًا ولا زالت كلماتها تتردد على مسامعي وصورتها لا تبرح مخيلتي، وكلي أمل أن تحقق هذه الفراشة أمنياتها وألاّ تحرم ابتسامتها الصافية أبدًا.

 
وصلت بعد أن غربت الشمس وقصصت ما حدث سريعًا لصديقتي وتعالت الضحكات وانتهت بقولها: "تعيشي وتوكلي غيرها"، وهكذا كانت النهاية غير المتوقعة لهذا الشهر الطويل، ولأسبوعه الأخير المتعب، ولهذا اليوم المرهق بحق، بتقدمة قدر لا ترد لتكون هذه التدوينة.

الأربعاء

بينوكيو :)


حقيقة واحدة وجدتها لديك

أنك تكذب :)

-------------------------
الصورة أعلاه للاستعارة فقط، فما فعله ماجد لعبة خشبية (بينوكيو)
 لا يقارن مع ما نفعله أو نشاهده حولنا صبح مساء...

 أعني عذرًا بينوكيو ولكن الرمز في القصص جلبك إلى هنا.
أظن أن موعد الصدق قد حان أخيرًا.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...