الجمعة

شكرا




          بين فترة وأخرى يبرز في أحاديثنا العائلية أحد مواقفي الطفولية المثيرة، لربما كنت في السنة الثالثة من عمري حينها، إذ جاء عمي الذي كان يملك ملبنة يريد أن يأخذ منا دلوه، وقد كان لطيفا وعصبيا تشوب صوته بحة، صرخ أو ربما نادى بلطفه الصارخ: يا بنت جيبي الدلو! ذهبت باكية ورجعت باكية، ولما سألتني والدتي عن السبب، قلت لها: لم يقل شكرا!

          إلى اليوم يحضر هذا الموقف في أذهانهم جميعا، صحيح أنني لا أذكره على الاطلاق إلا أنه يضحكني ويدخلني في تأمل حول هذه الكلمة، فأنا لا استخدمها بكثرة إنما استعيض عنها بـ: ولو، بالخدمة، ما في مشكلة، يسلمو... ولا أطيق سماعها بالإنجليزية، إذ تصبح أكثر جفافا وخفة.

          أتمنى لو كان بإمكاني تعداد المرات المزعجة التي شكرني بها بعضهم، إن وقعها مزعج ومبتذل، وتأرجحها بين المعنى ونقيضه مربك ومنفر، لكنها أفضل الأمثلة التي تمكنني من شرح التنغيم وأثره في تشكل المعنى.

          الشكر معيار للامتنان لا أرغب بتطبيقه على أي شيء أو إنسان في حياتي، كلهم ما دونه أو ما فوقه، منطقة المشكورين في حياتي خالية وأعتزم إغلاقها عن قريب، إن اللحظة التي أنفر بها من جرس كلمة ما هي لحظة القطيعة النهائية مع حمولاتها وظلالها، القطيعة التي لا سبيل لتفسيرها، واسمي هو أول الكلمات التي أشعر حيالها بهذا النفور.


          آه ربما يجب أن أشكر من أسمانيه...

على مهل

         


          يبدو أن الحياة سلسلة لا تنتهي من قرارات الترك والتخلي، أفكر الآن جديا بالتخلي عن المدونة كما فعلت إزاء عشرات الأمور في حياتي مؤخرا، إن ايقاع هذا العصر أسرع من أن أواكبه، يحبك أحدهم ويملّك بأسرع مما تتصور، تحب عادة وتملها بسرعة كذلك، تضع خطة محكمة لأحلامك وطموحاتك فتمل الحياة من سذاجتك وتفسد الأمر.

          إن السرعة التي يسير بها العصر ترهقني، فأنا أحتاج لسماع أغنياتي المفضلة عددا غير محدود من المرات، وأريد أن أقرأ كل يوم قصيدة فريدة تجهدني في البحث عنها، وأرغب بتمديد الوقت بين صفحات روايتي المفضلة التي أطالعها للمرة الثالثة، ببساطة، لا أنتمي لهذا العصر الذي تنهال فيه الأخبار على رأسي الضعيف كل دقيقة تجر وراءها زوابع تغير من كل شيء.
أشعر أن لا وقت لدي سوى للحزن، وأن من شاركني صنع أجمل اللحظات على ندرتها كان وراء تحطيم العادي الكثير منها، إنه لأمر مؤسف أن يصبح حديثك مع الآخرين بلا سمات، أن تمل من شرح كل شيء، أن تعجز في النهاية عن ذلك.

           على الرغم من أني لا استخدم الفيسبوك، إلا أن صديقاتي يحدثنني عن خاصية تسترجع الذكريات فيه، وغالبا ما يذكرن ذلك في الحديث المؤسف الحزين عن الماضي، وعلى الرغم من بعدي عن ذلك العالم فلقد لاحقتني الذكريات التي أوصدت الباب في وجهها دوما، فما معنى أن يتذكرنا أحد قد تخلى عنا ونحن بأمس الحاجة إليه؟ ما معنى أن يسألنا عن أحوالنا وهو الوحيد الذي لا نملك لسؤاله جوابا؟ ما معنى أن تبقى هذه الشعرة من الذاكرة والحنين تربط بيننا على نحو مبهم؟ ما معنى أن يطل علينا الماضي بهيئة (غير معرف) فلا ننزله حق منزله، ولا يأتي إلينا تماما، يبقى بعيدا على الرغم من سعيه، كما يبقى معزولا عن النور والهواء الذي يعبق بهما الحاضر.

          إن بعض المحطات في حياتنا لا يجدي معها التذكر، أبطالها أشخاص من ضباب من سراب من غبار، كان وجودهم قويا ملحوظا إلا أن نسمة باردة واحدة كانت كفيلة بتشتيتهم وبعثرتهم تماما في الأفق البعيد المجهول، ماتت علاقتنا بهم حتف أنفها لم يعبها بأس أو خيانة أو غدر، لم يتركوا حتى شيئا من الكره والبغض وراءهم، رحلوا فقط وكأنهم لم يكونوا يوما، أو أننا اخترنا أخيرا أن لا نشعر بشيء تجاههم ..

          إن النقر الخفيف على نوافذ الماضي لا يفيد بشيء، يعمق المأساة والعبث، يدفعنا للتخلي حتى عن الصور الأخيرة التي احتفظنا بها عند الوداع، إن بعض الزوايا في القلب لا تقبل إلا لونا من اثنين؛ أبيض أو أسود.

مكتبتي الكبيرة الحزينة



أعلن عجزي أمام المكتبة، وأسفي عليها… سافر والدي قبل أسبوعين وتركها، انتقى عينة وحاول شحنها إلى مستقره الجديد، ولكن كأنما كانت العينة تأبى مفارقة الرفوف، أو كانت المكتبة ساخطة على هذه الاختيارات فحكمت على تعسير أمر الشحن وعادت الكتب إلي.


علي أن أعيدها وأنا سعيدة لذلك فقد كانت مجموعة عزيزة علي ومهمة ولكن أخشى أن يطلب مني والدي أن أبقيها في الكراتين ليشحنها من جديد، في محادثاتنا الأخيرة شعرت أن المكتبة قد شاخت بالنسبة له، أنه ابنها الذي لا يستاء حقا إن تركها، فهي هنا كما عهدها دائما، وستظل بانتظاره بلا حراك، كما لو أنها زوجته التي لا تملك إلا أن تبارك زواجه الثاني، واستقراره أخيرا مع الكتب الإلكترونية.

عندما كان يحدثني مطولا حول ضعف إيمانه بالكتب الورقية كنت أشعر بالغرابة، فأنا الأصغر والتي يفترض بها أن تنزع بهذا الشكل المتطرف نحو أشكال الحداثة، وهو الذي بناها كتابًا كتابًا، ورآها تكبر أمامه وتمر بأطوار مختلفة، كان حديثه يدفعني لسماع أنينها الصامت.
الغبار يعلو الكتب وتتبعثر الموضوعات في الرف الواحد، لقد تعبت من تولي المهمة وحدي، ولا أعتقد أني سأباشر تنظيفها قبل شهرين من الآن، فظروفي الصحية والنفسية تمنعني.


أذكر أنني كتبت بندًا سادسًا في موضوع (المكتبة الكبيرة المحزنة) ولكني لم أنشره، وهذا ما كتبته:


"6- كيف تحمي قرة العين هذه؟!

         عندما انتقلنا إلى بيتنا في إربد، كانت المكتبة هي المعضلة، تولى عمي -رحمه الله- مهمة ترتيب الكتب في الكراتين، وكان على أحد العمال المصريين أن يساعده، وبالفعل استمرا بذلك إلى أن نفدت طاقة العامل وطلب إلى أهلي إعفاءه من المهمة وهكذا فعلوا، أشعر أحيانًا أنه استسلم لفكرة الكتب ذاتها لا لفكرة الارهاق أو الأوزان الزائدة، لأنه منذ البداية كان على يقين من تعامله مع أوزان ثقيلة (خزائن، أسرة، أجهزة كهربائية)...
         أذكر بوضوح ليلة الاستقرار في المنزل الجديد، حينما كانت كل أغراضنا في مكان واحد فوق بعضها لا يبين منها شيء، كانت الكتب تملأ الغرفة الأولى في المنزل، غرفة تتأرجح بين البيت وحديقته، مفتوحة بلا نوافذ نسميها (برندا)، أصر أبي في ذلك اليوم أن تغطى الكتب من جميع جوانبها بالأغطية، حاولنا أن نسرق شيئًا لنفرشه مجلسًا أو نتغطى به ولكنه كان ينزعج ويصرخ محذرًا إيانا من تعريض الكتب لخطر الرطوبة، في ذلك اليوم سرت في الحي مقولة تفيد بأن (طه حسين جديد قد اشترى منزلاً وأسكنه الكتب وأصبح جارنا)، بقي الحال هكذا عدة أيام، إلى أن نصبت المكتبة الحديدية البائسة في غرفتي.


         في بلاد ملأى بالبراكين كهذه تأتي الكوابيس على شكل مكتبة محروقة أو في وضع أفضل مكتبة ملقاة على الرصيف للبيع. أحيانًا أفكر، لو أن كارثة من أي نوع اقتربت ماذا سأحمل معي من كل هذه الكتب؟ ولو أن كارثة حصلت بخطأ بشري أو بعدوان خارجي كيف لي فيما بعد أن أتجاوز خساراتي؟ وأتأمل في كل تلك القصص عن الكتب التي حرقت وسرقت وأغرقت أمام مؤلفيها أو أصحابها، عن قصص العراق المكلوم قديمًا وحديثًا، عن هذا الرجل العراقي وهذه المرأة العراقية بالذات، عن قابلية الكتب للفناء كأجسادنا، عن عبورنا وتعلقنا بالعابر أيضا، عن فتحة في القلب لا يصلح لها رتق.
        إنني أذ تخطر لي هذه الخواطر على أحد الكراسي البنية التي تمكنني من التأمل في المكتبة عن بعد، أعيش أجواء ميلودرامية حقيقية، سخيفة كتخيلات، مرعبة إن تمكنت من الواقع.


واليوم أدرك أن لا شيء من هذا محزن كتخلي والدي عن فكرة مكتبته، تخليه عن الشغف بها والخوف عليها، ومع أنه لم يصل حد التفريط بها أو إهداء أجزاء هامة منها أو وهبها للتبرع، إلا أن كلامه يحمل كل هذه الرغبات غير المعلن عنها.


لا أعلم شكل البيت الذي سأعيش فيه مستقبلا، ولا أعلم إن كنت سأغادر هذا المكان أصلا، ولكن أعلم شيئا واحدًا وهو أن لا بيت لي بلا مكتبة، مكتبة واسعة ممتدة تسرني وتمدني بالطاقة والتعب، مكتبة لا تخاف مني الهجر ولا تنتظر مني العودة، مكتبة سعيدة وحسب.
________________
اللوحة: Amy Judd

السبت

صور الكتاب وأثرها علي (2)

         أحاول دائما الالتزام بالتدوين، أحاول منذ اليوم الأول، ولكنني لم أنجح بعد، أحاول استكمال المواضيع التي بنيتها على أجزاء ولكنني أتكاسل… ربما!
         أشعر بخليط من العزلة والاغتراب، وامتداد حاجز كبير بيني وبين الآخرين، كما أنني أشعر بسكون محبط يمنعني من التفكير بالوتيرة التي اعتدتها، وكأنما سكت صوت داخلي… أو ربما!

         أحمد الله أنني تعرفت إلى الشعر الصوفي تزامنا مع إقبالي على تعلم الفارسية، لم أدر أيهما حفّز الآخر، ولكنني اليوم سأتحدث عن أثر صور المتصوفة الفرس علي، أعني أشهرهم (حافظ ومولانا).

         يكمن السبب وراء رفضي التخلي عن هاتفي النقال من نوع (نوكيا) أن متجرهم هو الوحيد الذي تتوفر فيه تطبيقات ممتازة للشعر الفارسي، هذه الصور الثلاثة هي واجهات لتطبيقات أستخدمها بشكل يومي، إنها وببساطة دواوين هؤلاء الشعراء كاملة ومرتبة إلكترونيا، ولا حاجة لأن أستحضر إحباطي ويأسي من وجود تطبيقات مماثلة للشعراء العرب على امتداد العصور.

wp_ss_20150829_0004.jpgwp_ss_20150829_0002.jpgwp_ss_20150829_0003.jpg



         ومع أن صور حافظ (أو لنقل تصورات الإيرانيين لشكل حافظ) كثيرة جدا ومن السهل العثور عليها، إلا أنني لا أشعر بوجود ملامح واضحة له، لا أتخيله تماما عندما أقرأ شعره، أرى فقط اسمه بالخط الفارسي المحبب الذي يجعل أية كلمة تحفة فنية، وعلى الرغم من أن الديوان الذي أملكه يحمل على كل صفحة منه صورة مائية لوجه حافظ شابا ومن وراءه الحافظية (قبره في شيراز) إلا أنني أيضا لا أرى هذه التفاصيل ولا أشعر أن هذه هي ملامح حافظ، ربما عندما نحب أحدهم إلى هذا الحد، نعمد إلى إخراجه من عالم الماديات وإضفاء الصفات الجمالية عليه دون تحديد أو تشكيل، ولأنه أيضا بكلامه يخرجنا من عالمنا المحسوس ويجبرنا على النظر بغير عيوننا التي هي في الوجوه.

هذا هو الرسم الذي أعنيه، وهو من واجهة موقع مليء بالبرامج الإذاعية عن حافظ وشعره، واسمه راديو حافظ

radiohafez-header.jpg

غالبا أتخيل الشعراء مبتسمين، مطرقين، غاضبين أو سكارى، ولكنني لا أتخيله سوى بنظرة واحدة لا تفسر، أعني نظرة تحتمل الحزن والفرح، الرضى والغضب، التعب والدعة، لا عجب أن غوته أراد أن يكون توأم حافظ، إن له من الجبروت ما يمنع أي متساهل من الفرار، غير أن جبروته ناعم وأرق من النسيم.

مولانا أمره مختلف، كثر تصويره في اللوحات وتجسيده في الأفلام، أورثنا رمز المولوية الذي نرى فيه سيماه كلما أعترضنا على علاقة مفاتيح أو أيقونة أو طبعة على لباس ما، عندما أقرأ إحدى قصائده أتخيل كيف أملاها على حسام الدين جلبي، ولا أتخيله شابا أبدا أو مفارقا لعمامته، وعندما يأتي ذكر (ِشمس) غالبا في بيت التخلص وهو البيت الأخير من الغزلية، لا أرى شمسا ولكني أحاول تخيل نظرة مولانا في تلك البرهة… لا أعلم كيف سأشعر إن أدى (غسان مسعود) فعلا دور شمس تبريزي في فيلم عالمي قادم، أتمنى أن يكون مماثلا لشعوري إزاء تأدية فراس إبراهيم لدور محمود درويش، أي؛ التجاهل التام ونسيان الأمر كليا.

أما سعدي وعطار والخيام فلم أختبر حالي معهم بعد…


الثلاثاء

في النهاية، أيهما أعظم سعدي أم حافظ؟




          قرأت في مجلة (الدراسات الأدبية في الثقافتين العربية والفارسية وتفاعلهما) الصادرة عن قسم اللغة الفارسية وآدابها في الجامعة اللبنانية، بحثًا مشوقًا حول مكانتي الشاعرين المرموقين سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي، اللذين يحتلان مكانة رفيعة عند الشعب الإيراني، ويحظيان باحترام وتقدير عالميين لفكرهما وموهبتهما الفذة، وإشعاع أعمالها بالمحبة والأخلاق والعرفان.

         يحاول البحث الإجابة على السؤال المؤرق حول حقيقة تفوق أحدهما على الآخر، ويخلص لنتيجة يشعر بها القارئ من الفقرات الأولى، تسعى إلى بيان مكانة كل منهما، والأهم حاجتنا إليهما معًا، دون الضياع في سؤال يرتبهما بين أول وآخر، فعلى الرغم من اشتغالهما في الحقل ذاته، وسعيهما لترسيخ مفاهيم متشابهة إلا أنهما متمايزان، ولا سبيل للاكتفاء بأحدهما دون الآخر.
         لقد ترجمت هذه الفقرات من البحث بتصرف آملة أن تقدم الجديد:

          "سعدي وحافظ، ولد كلاهما وعاش وتوفي في شيراز ونسب إليها، جاء إبداعهما مبنيا على مفاهيم متشابهة من مثل: العشق، البحث عن الحقيقة، عبادة الجمال ومحاربة السلوكيات الاجتماعية السيئة كالرياء والنفاق والكذب، ولكن، عاش سعدي قبل مئة عام تقريبا من حافظ، مما حرمه من بركات وجود حافظ في الوقت الذي نهل حافظ من عين فنون سعدي وأفاد منه كثيرا. لقد وصل سعدي إلى ما وصل إليه من مكانة مرموقة بدون حافظ، ولكن هل كان حافظ يستطيع الوصول دون سعدي؟ الذي يمكن اعتباره الأديب الفارسي الأول الذي يحظى بهذه المكانة ويشتهر في شيراز على نحو مؤثر ومتنوع.

          تبلغ غزليات سعدي ما يقارب 700 غزلية، في المقابل لحافظ ما يقل عن 500، ولكن لسعدي آثار أخرى عالية القيمة متل گلستان (وتعني حديقة الورود)، بوستان، قصائد أخرى ورسائل نثرية وغيرها. الأمر الآخر أنه الشخص الوحيد الذي تميز في الشعر والنثر وخلف فيهما آثارًا لا تضاهى، وإذ نقارن نثره بشعره لا نعرف أيهما أجمل، إن شعر سعدي بسلاسة نثره ونثره بجمال ومستوى شعره، والمدهش في الأمر أن الصورة والمعنى في أعماله تقفان على السواء لا يطغى أحدهما على الآخر، ليوصلاه إلى أعلى مراتب الإبداع والكمال.
          كذلك فإن حضور سعدي الدائم بين العامة ومخالطته لمختلف الفئات جعلت من كلامه أكثر عمومية وانتشارا، بالمقارنة مع كلام حافظ الذي ينطوي على سمات تجعل فهمه مقصورا على الخاصة، والدليل على هذا أن آثار سعدي كانت أيسر للترجمة، مما جعل المستشرقين يعرفونه ويفهمونه بصورة أسرع ومن ثم ينقلون إبداعاته للعالم.

         إن حافظ يتوجه دائما إلى الكليات على العكس من سعدي الذي يتوجه للجزئيات، وإذا كان الأخير يتجول في بعدي الطول والعرض فإن حافظ يتحرك في العمق والارتفاع، يبدو حافظ مثل أب مقدس له كل الاحترام ويتوجب علينا أن نحبه، بينما يبدو سعدي كصديق حميم نمازحه في بعض الأوقات. إنني على الدوام أتصور سعدي وحافظ ومولوي (جلال الدين الرومي) جُلاّس في مقام عالٍ جنبا إلى جنب، لا يعلوهم أحد والجميع من تحتهم، كل منهم يمد يده ويشير بإصبعه، وإذ يشير سعدي إلى الأسفل، باتجاه الواقع الاجتماعي، يشير مولوي إلى الأعلى، باتجاه العالم العلوي، أما حافظ فيديم تحريك إصبعه بين المنزلتين باستمرار.

          وقبل عدة سنوات قال أحد الكتاب: "يبدو أن سعدي كان ينظر إلى الدنيا على نحو ما كنا ننظر إليها جميعًا باستثناء حافظ. ويبدو أن حافظ كان يرى الدنيا على نحو لم يره أحد حتى سعدي!"

          على الصعيد الفني، لن يتجاوز أي أحد ما وصل إليه حافظ من قدرة لفظية وتكثيف للمعاني، كذلك لن يصل أحد إلى ما وصله سعدي من سهولة وسلاسة وطلاوة، إن قراءة شعر سعدي تشبه النظر عبر الزجاج، شعره شفاف وواضح، بحيث نرى ملامح سعدي على نحو فاتن وجميل، ولكن شعر حافظ كالمرأة، ما إن ننظر فيها حتى نرى وجوهنا وملامحنا بدقة، إنه يبث التساؤل والتردد والشك في أرواحنا.

          يقول إمرسون، الشاعر والكاتب والمفكر الأمريكي: "يتحدث سعدي بلسان كل الملل والأقوام، إن كلامه سيبقى نابضا بالحياة كما هو الحال لدى هومر وسرفانتس وشكسبير، والگلستان هو أحد الكتب المقدسة لعالمنا، إنه دستور أخلاقي يصلح لكافة البشر"، وإذا ما أردنا قراءة شعر حافظ فعلينا دائما ادراك قدرته اللغوية المبهرة، واستناراته بالقرآن الكريم التي حصد بها ألقابًا مثل (لسان الغيب) و(ترجمان الأسرار)، وكذلك أنه لم يكن بغافل أبدًا عن العيوب والأمراض في مجتمعه ولم يكن منفصلا عن واقعه بأي حال من الأحوال.

          يسافر سعدي في شعره نحو العالم الخارجي ليكسب لقب المصلح الاجتماعي أما حافظ فيرتحل نحو العالم الداخلي فيكون بذلك أقرب لمنتقد اجتماعي، سعدي (شيخ) وحافظ (خواجة) تشيع في أشعاره شكوك وتساؤلات لا توجد لدى سعدي، أكثر مضامينه الشعرية تجري على لسان (شيخ المجوس والشيخ بائع الخمر والهاتف الغيبي) ومن هنا نجده أقرب للخيام وأشبه به.

          ونختم بمقولة أخيرة في هذا الشأن، فقد قال شادروان محمد علي فروغي قبل سنوات: "سعدي كالبحر وحافظ كالطود"، سعدي يشبه البحر في جماله واتساعه وحسن منظره، وحافظ كالجبل الشامخ عالي الشأن سامق ومدهش، فأنّى لنا أن نفضل أحدهما على الآخر؟
_______________

اللوحة: Ultimate Flight - Rassouli

السبت

متاهة من حلقات (2)



بوسعي أن أحدثكم عن الامتيازات الكثيرة التي حظيت بها في تلك السنوات، ولكن سيبدو الأمر كتعدادي للنقود أمامكم، لذلك سأحدثكم عن الوحدة، عن مفهومي الذي طورته بأيد من الناس والأفكار والكتب، عن الوحدة التي تشمل العزلة، والتي تشرق الشمس من صعيدها كل يوم.

        قد يكون من المستغرب أن تسيطر الوحدة على المرحلة الجامعية، والتي توصم بأنها مكان للاختلاط بالآخرين والتعرف عليهم وتوسيع دائرة العلاقات، وفي عالمنا البحث عن فرص الزواج أيضا، فالجامعة لفظًا كما بوسع أي منا أن يستنتج تأتي من الجذر جمع، أي جمع الشيء عن تفرقة من ههنا وههنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد، ولا غرو أن كلمة مجتمع تأتي من الجذر ذاته، وأرى أن الفارسية موفقة أكثر في تسمية هذين المفهومين، فهي تطلق على المجتمع كلمة (جامعه) وعلى الجامعة كلمة (دانشگاه-Danishgah) أي مكان المعرفة والعلم، فالقسم (دانش) يأتي من المصدر (دانستن) أي المعرفة و(گاه) هي اللاحقة التي تدل على المكان.

        لهذا السبب وغيره يبدو من الطبيعي أن يتحرك الطلاب دائما في جماعات، يأكلون ويمشون ويغنون في جماعات، يختارون موادهم ويقدمون امتحاناتهم في جماعات أيضًا! تحكمهم في هذا الأمر ظروفهم ومخاوفهم، فالحافلات التي تقلهم من وإلى القرى في الغالب تحتم عليهم الإبقاء على علاقاتهم التي كانت الجيرة أو القربى سببا فيها، إنهم بذلك لا يتطورون بقدر ما يطورون حسهم بالذوبان داخل الكل، وفقدانهم لفرادتهم وفرديتهم، عدد كبير ممن عرفت يعيشون ضمن ساعات الآخرين ومواقيتهم، ولربما يرفضون تناول الطعام على الرغم من جوعهم، لأنهم لا ياكلون فرادى، ينتظرون الآخرين لينتظموا في كرنفال يومي أبدي… ليس هذا ملمحًا من ملامح التضامن أو الصداقة، فكلنا يعرف حدودهما، إنما هو تجل للذوبان وتخل عن الحقوق الذاتية، ورغبة عارمة في التملص من المسؤولية، مسؤولية الذات في المقام الأول، فمن الطبيعي أن تجد طالبًا في سنته الثالثة لم يزر مكتبة الجامعة إلى الآن، وعذره أن لا أحد يرافقه إلى هناك!

         على كل حال لي صديقات تلونت بهن أيامي ولكن الوحدة صديقتي الفضلى، وعلى الدوام تعرضت لاتهامات لاذعة، فتارة أكون الفتاة المغرورة وطورًا أصبح المريضة نفسيًا، ولم يغرني أي اتهام بالرد، لأن امتياز مراقبة العالم في صمت لا يعلوه امتياز البراءة من الفرى.

         ومع انقضاء فصلين أو ثلاثة بدا لي أن هذا الأمر منسحب على الأساتذة أيضًا، والذين يتنعمون بتصوراتنا عنهم، المخالفة لواقعهم بشكل ملحوظ، خذ مثلا سرعة سريان الإشاعات والأحاديث بينهم فهي تنبئك بمقدار الوقت الذي يصرفونه في الحديث مقابل الوقت الذي يدخرونه للبحث، إلا أني قد رزقت بأساتذة يكرسون أنفسهم للبحث والترجمة والتجديد، فقد قال لي أحد الأساتيذ الكبار عندما بلغ السبعين من العمر أنه لا يزال يحتفظ بمئات البطاقات التي تشكل شذرات للبحوث، وزياراتي الدائمة لأحد الأساتذة المترجمين وعلاقتي الطيبة به جعلت الأجواء أجمل وأكثر ألقًا، لقد منحني ذات يوم امتياز الاطلاع على عمله الضخم قيد الترجمة وأرشدني لآفاق رحبة بلا نهاية.

         إن الوحدة جميلة للغاية، بالأخص عندما أقارنها بتلك الجلسات الاجتماعية التي تتحول بعد ربع ساعة إلى جلسات مع الموبايلات، فينكب كل واحد على حساباته ويصبح الآخرون هامشيون كالأغاني التي تصدح في المطاعم، بل كالتلفزيونات في المطاعم والتي تبث صورًا فقط فهي مكتومة الصوت دائمًا، أتساءل، لماذا يفعلون هذا؟ ما الفائدة من أن تسمع أغنية لكاظم الساهر بينما تشاهد فيديو كليب لنجوى كرم؟! فقط أتساءل...

______________
اللوحة: مرتضى كاتوزيان - الحياة

الاثنين

متاهة من حلقات



بعد شهر من اليوم، سوف تنتهي سنواتي الخمس في الجامعة، سأحصل على درجة البكالوريس في تخصص اللغة العربية وآدابها/فرعي: تخصص اللغة الفارسية وآدابها.
         هذه جملة رصينة ومختصرة إلى أبعد حد، ولا تكاد تفصح عن ملمح واحد من ملامح السنوات التي قضيتها محاولة الحصول على بعض المعارف والحياة!
         للنهايات طعم مختلف، النهايات الاختيارية مريحة ومنطلقة نحو الفضاء، على العكس منها تكون النهايات الاجبارية التي ترجعك إلى وضع الجنين بشكل لاواعي، أشعر أن الذات التي كبرت ونضجت وعايشت التجارب المختلفة طيلة هذه المدة، الذات التي تحملت وصبرت وقرأت الواقع كما قرأت الكتب، تطل من الطابق الثالث للعمارة الوحيدة الموجودة في عالمي، تطل على ذاتي الصغيرة الساذجة التي ترفض أن تدخل المنزل مفضلة البقاء في الشارع لانتظار من ذهبوا دون عودة، ذاتي الناضجة تحاول الكتابة والتدوين قبل أن ينفلت الجسد من قوانين الزمن والحياة الدنيا، بينما تمرح الأخرى ببعض المطر الربيعي وتدور على نفسها معجبة بفستانها الجميل...

  • فيما بعد لا بد أن توجه الأولى صفعة للثانية، بحجة تضييعها للوقت!
  • وهل عرفت هي معنى الوقت؟!

         تعلمت معنى الكثير من الأشياء، ولكني نسيت معظمها، تعلمت المعاني وفاتني أن أتعلم القيمة، أعني فاتهم أن يعلموني، دخلت وأنا أعي ما يتوجب علي فعله، فعلته وها أنا سأخرج، لا شك في الدخول ولا في الخروج، لقد بدت المرحلة أسهل من أي اشتباك حقيقي أو مواجهة، وهل تبدو لي صداماتي الرهيفة مع المجتمع أرقى من السراب؟ أي شيء هو المجتمع؟ طلاب هائمون في الشوارع والمزالق موزعون على الأرصفة، يحولون كل بضعة أمتار إلى مضافة مصغرة؟! أم أساتذة معتكفون لمناكفة بعضهم بعضًا ولتسقط الأخطاء دون أدنى إرادة؟! أم أنني أرى المجتمع من نافذة التكسي التي تقلني كل يوم بعد أن أنهكت من المشي وحيدة!
        الوقت، هو الذي أخافني ويخيفني، هو المسيطر في خفاء وعظمة، وهو الذي فاتتني قيمته، لا زلت أسهو عن عد ساعات النوم، وأحوّل ساعات الدراسة إلى ساعات للقراءة الجانبية بكل راحة ضمير، ولا زلت أصل بعد إغلاق الباب… لا، يُعرف عني أنني منضبطة! اي انضباط يعنون؟ أن أحضر القصيدة المصورة من المكتبة في الموعد المحدد؟ أن أعيد الكتاب الذي استعرته من المكتبة بعد أسبوعين دون أن أتم ربعه؟ أم أن انضبط في مواعيدي مع صديقتي المتخيلة؟؟
        الوقت، أساس الانعطافات الكبرى في حياتي، والذي يتسرب من يدي كالرمل ويعاظم إحساسي بالضآلة، لا سيما وأنني أشعر بالدوران في حلقة، أو بالتيه في سراديب تحت الأرض…

  • من الغريب أنها في تشاؤم، وأنها ترى النور على هذا النحو!
  • ربما لم تعرف معناه بعد.


         تعلمت المعاني المجردة، ولكن كانت الأمثلة على درجة كبيرة من الرداءة، نشدت بعدها العودة إلى التجريد، فتضاعفت صعوبات الحياة، تعلمت أن أحرر المواد وأن أنقد كما ينقد الأستاذ، أن أقرأ بنبرة وتنغيم، ولكني لم أكتب أي مثال جديد يرسخ مكاني قبل الزوال، لم تكن الإحالات على قدر كاف من الجودة، أعني لم أملك الوقت للاطلاع عليها جميعًا، والمزيد من الوقت يعني المزيد من الحجج الواهية، المزيد من الأنا والاختراعات الرديئة؛ الجمل غير التامة، المتهلهلة نحويا، التلعثم غير المبرر والمقود بإشارات انفعالية، واحمرار خدين غبيين.
___________________

منذ أسبوعين شرعت بكتابة مذكرات بسيطة حول سنواتي الجامعية، ولكن تبدو هذه البداية كئيبة وجاحدة بعض الشيء، سأنشرها ولكني سأتبعها بأخريات مغايرات لها في الموضوع والأسلوب.

___________________ الصورة: Lettore ligneo - Wooden statue of a reader

الجمعة

السجين الحر





         كلما تقدمت في تعلمي للغة الفارسية تجلت لي متع فكرية ومعنوية من حيث لا أدري، واليوم سأحكي عن أجمل ما وصلت إليه حتى الآن، وهي متعة التعرف على مخيال الآخر المغاير.

         لم أبدأ تعلم الفارسية بهدف تعلم اللغة وحسب، بل مدفوعة برغبة شديدة ومؤلمة في فهم الشعر الفارسي القديم، فأنا في الشهر الأول الذي لم أكن قد تعلمت فيه سوى الحروف والضمائر كنت قد حفظت الغزلية الأولى من ديوان حافظ الشيرازي وهي التي تبدأ بالشطر العربي الشهير (ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها) والتي يترجم شطرها الثاني على هذا النحو (لقد كان العشق ميسرًا في بادئ الأمر ولكنه تعسر بعد ذلك) وهو بالضبط ما استشعره تجاه حبي لهذا الأدب العظيم، وعلى الرغم من أنني كنت قد قرأت ترجمة القصيدة كاملة إلا أن شعوري بالحواجز بيني وبين النص كانت ترهقني، فقد كنت أحاول تحليل الجمل من حيث التركيب، وقد بذلت جهودًا مضنية إذ أنني لم أكن قد تعرفت على البنى القواعدية للجملة الفارسية بعد، فلم أكن أميز بين الفعل والاسم وأدوات الربط، ولكن ومع مرور الوقت تطورت معارفي وازداد مخزوني من الشعر وصرت قادرة على تتبع البنى العميقة للجمل وقادرة على استشعار الايقاعات الداخلية العجيبة في الشعر وبخاصة لدى الرومي.

         وبعد ذلك انتقلت للمرحلة الأجمل والأصعب وهي ادراك الصور الفنية التي يستخدمها هذا النوع من الأدب، وتحديد مكانتها في مخيال الشعراء بعامة، وكيفية انتزاعها من الواقع أو تعبيرها عن الموروث، والتمكن لبرهة من لمسها قبل أن تفلت من هذا العالم المادي، ولقد وقعت حتمًا في شرك المقارنة بين مخيال الشاعر العربي ومخيال الشاعر الفارسي، فوجدت الأخير زاخرًا بالألوان والتفاصيل الدقيقة على نحو مبهر، حتى لتتحول الجمل الشعرية إلى قطع من المنمنمات، ومن هنا أدركت فكرة توزع الروح القومية على أشكال الفنون المختلفة من أدب ورسم وتصوير.

         ومن الصور المبهرة التي استوقفني طويلا، وأعني طويلا جدا، صورة تحكي عن شعر المحبوبة، فهناك حضور قوي للجديلة والزلف في الشعر الفارسي ولكن لن اتطرق للمعاني الصوفية الكامنة وراء كل مفردة، بل سأكتفي فقط بالسطح الخارجي للصور والتي تستحق بكل جدارة أن يقف القارئ مطولا عند كل مستوياتها.

         ترتكز هذه الصور على فكرة مفادها أن شعر المحبوبة هو السجن الذي تتعلق به الأرواح، وفي كل طية منه يسجن البشر الذين ينشدون المعرفة، يقول حافظ في إحدى غزلياته:
إن أنت أردت إبعاد الفناء عن هذا العالم وتخليصه من الموت والهلاك
فانفضي طرتك لتتحرر آلاف الأرواح المتعلقة في طيات شعرك وخصله

وكذلك يرد هذا المعنى في غزلية لسعدي الشيرازي فيقول:
أن الحلقات في جديلة المحبوب هي الشرك
وكل من هو خارج هذه الحلقة فهو غافل عن المعرفة وحكاية الوجود
(لم أقف على كل التفصيلات في هذا البيت وأتمنى أن أكون قد أحسنت إيصال الفكرة)

         بالطبع هناك صور أخرى كثيرة حول الجدائل والشعر والطرة، وكيف أن انعقاد الزلف على الخد يشكل حرف نون أو حرف جيم، والمعرفة بهذه الأمور تتعالى عن كونها معرفة بالصور الشعرية لتصبح إدراكًا أعمق لما يشكل هوية قومية ما ولما يحدد معايير الجمال المادي واللغوي فيها أيضًا.

______________
اللوحة: فريدون رسولي- Born Free

الأربعاء

المكتبة الكبيرة المحزنة

        
المكتبات للقراء أماكن سحرية وجنان لا تضمحل فيها النعم، والمكتبات الشخصية قصور وملاجئ على السواء في عيون أصحابها، إنها أبرز معالم بيوتهم وأفضل تجسيد لرغباتهم وتطور أفكارهم ونموهم على مدى السنين، ولربما ينظر كل قارئ مبتدئ بعين الحسد العفوي لملاك المكتبات الشخصية الضخمة التي تضم كتبًا نادرة أو قديمة مصفرة، فيطمحون أن يحلوا محلهم ذات يوم، ولكنهم لا يرون الجانب المظلم من الأمر تمامًا كما لا نرى الجانب المظلم من القمر، أي كيف تبدو الحياة اليومية مع مكتبة ضخمة لسنوات وسنوات…


         لا أزال صغيرة ولا أملك مكتبة ضخمة بعد ولكنني من عائلة مشتغلة بالأدب، وأصنف بين أخوتي بالأكثر اهتمامًا بالمكتبة التي يملكها والداي، وقوامها ستة آلاف كتاب تقريبًا، وأنا المسؤولة عنها بشكل مباشر، ولهذا أعتبر نفسي أمينة لها وقادرة على وصف المعاناة والحزن اللذين أشعر بهما بسببها:


1- كيف لي أن أقرأ كل هذه الكتب؟

أن تحاط بعدد هائل من الكتب لا يعني أن عليك قراءتها بالضرورة، ولكن لن تستطيع تجاوزها وأنت الذي تنظر إليها كل يوم وتعلم أنها متاحة بالكامل وبالمجان، منذ صغري وأنا أقرأ عناوين محيرة ومثيرة، ولم أستطع إلى الآن أن أرتب أولويات القراءة خاصتي، وأذكر أنني في الصفوف الابتدائية كنت أتناول كتب الشعر القديم وأقرأها بصوت عال دون أن أفهم، وكم تمنيت أن أفهم.





2- كيف لي أن أقاوم الرغبة بشراء كتب جديدة؟

في مجال دراستي (الأدب العربي واللغة الفارسية) أكاد أجد في مكتبة البيت كل ما أحتاجه من كتب، في مختلف المستويات والحقول، فوالداي متخصصان في الأدب والنقد كذلك، ولقد درست على أساتذتهما فعدت إلى الكتب التي عادا إليها أعني إلى النسخ ذاتها، عدت إلى الشعراء ذاتهم والتراجم ذاتها، إنه أمر جيد وسيء في آن معًا، ولكنني كثيرًا ما اشتريت كتبًا لعدم عثوري عليها في البيت، متفاجئة بوالدي يستخرجها بمهارة ساحر من أحد الرفوف، فيضيع مصروفي ويضحك والدي.

أحاول كثيرًا أن أمنع نفسي من لذة الشراء ولكنني أحزن لأنه لم يتسنَ لي أن أشتري أعداد مجلة العربي بنفسي أو العقد الفريد أو الخصائص أو روايات كونديرا ودواوين الشعر العربي الحديث ذوات الأغلفة الحمراء، لهذا أشعر بالذنب عندما أبتاع كتبًا جديدة ولكن لا سبيل للتوقف.


3- كيف لي أن أنظف كل هذه الرفوف؟

من لم يحاول تنظيف مكتبة من عشرة رفوف فأكثر، مكتبة لم تنظف منذ ثلاثة أشهر على الأقل، فهو لا يدرك كم هي العملية مرهقة ومملة وكئيبة، تبدأ والحماس يملؤك تخرج الكتب من الرف الأول، يلفت أحدها نظرك تجلس لتفتحه ولكن تعرف أن التنظيف هو مهمتك الآن تؤجل ذلك، وعندما تحس بوخز خفيف في عضلاتك ترتاح فتعاود فتحه وهنا إن لم تستجمع قواك وإن لم تتعامل بميكانيكية مع الكتب فستقضي أسبوعًا على الأقل وأن متأرجح بين القراءة والتنظيف.



إن عملية تنظيف المكتبة دقيقة جدا، إذ لا يجب أن تجد الرطوبة طريقًا للكتب، عليك أن تمسح الرفوف بتأنٍ متحملاً الغبار والأتربة المتطايرة، ومن ثم يجب أن تنتظر ليجف الرف وفي هذه الأثناء بوسعك تخليص الكتب ذاتها من الغبار إما بالطريقة التي (يطرقون) بها السجاد على الشرفات أو بالمكنسة الكهربائية وهي حل رائع بوسعه سحب الكائنات الدقيقة التي تعيش في الورق القديم ولكنه متعب للغاية ولتتوقع من بعده أن تتعطل المكنسة جراء التشغيل والإيقاف المستمرين وهذا ما حصل معي مؤخرًا.


عليك أن تكون لطيفًا مع الكتب، وبالأخص القديمة فالكتب العربية تنشر بأغلفة ردئية لا تقف في وجه الزمن وقد لاحظت الفوارق الرهيبة لامتلاكنا بضعة مئات من الكتب الأجنبية، فالسوء الذي ستشعر به جراء تمزق الكتاب في يدك أثناء التنظيف لهو أضعاف ما يمكن أن تشعر به جراء تمزقه أثناء القراءة.


تنظيف المكتبة يتطلب قفازات وكمامة وغطاء رأس وضمانة بوجود ماء ساخن للاستحمام بعد الانتهاء، وقد نظفت مكتبة البيت قبل سنة من اليوم فاستغرقتني ما يقارب خمسين ساعة لم أنم فيها إلا لمامًا، وهاي هي تحاول اقتصاص ساعاتها الخمسين مرة ثانية.


4- كيف أقنع من حولي بأنها مكتبة للكتب فقط؟

يحلو لأسرتي أن تستغل المساحات الخالية من الرفوف لوضع الهواتف والشواحن والكؤوس والأوراق والأقلام والدبابيس وأشياء أخرى كثيرة، وكذلك يحلو لهم أن يضعوا الكتب والملفات بشكل عرضي فوق الكتب في الرفوف، وإني لأشعر بالحنق كلما شاهدت هذا المنظر، على المكتبة أن تحوي كتبًا فقط، حتى إنني أعترض على تزيينها بالتماثيل والتحف الصغيرة لأنها ستتحول بعد ذلك لمساحة لكل شيء وأي شيء.


5- أسئلة الزوار وطلباتهم المحرجة لاستعارة الكتب

يندهش أغلب زوارنا من عدد الكتب التي نملكها ويسعون لاستعارة أي منها فيتوجهون إلي بأسئلة تصيبني بالكآبة، لأنها تبوح باحتمالية خسارتي لكتاب ما أو أكثر، ولإنها تملي علي التوجه للبحث معهم عنه، أو الأسوأ لأنهم يطلبون مني تقديم اقتراحات لكتب يصفونها كالتالي: (بدي كتاب هيك يشوقني، كتاب ينقرى، كتاب يخليني أحب القراءة، كتاب غريب…) آآآه، أرجوكم لست المارد السحري وإنني لا أستطيع إعارتكم كتابًا لم أقرأه بعد وأشعر بالحزن إن أعرتكم أحد كتبي المفضلة، أنتم بالتأكيد من أفراد أسرتي أو أصدقائي وأنا ضعيفة عندما يُطلب مني أي شيء، ستجدونني متحمسة لطلباتكم وأسعى فعلا لتحسين عاداتكم في القراءة وإضافة معلومات ومغامرات جديدة لكم ولكنكم إن ظفرت بشيء من المكتبة ستخرجون من باب بيتنا وبعض قلبي معكم وسأتحرق في توتر وانتظار إلى أن تعيدوه لي، ذات مرة أعرت أحدهم رواية أحبها وقد عادت لي كأنما قد خاضت حرب شوارع، ولا أبالغ إن قلت أن في قلبي الآن نسخة من الجروح التي عليها.

يسألونني كثيرًا عن عدد الكتب التي قرأتها ويتفطر قلبي لهذا السؤال، ولكن يسألون أبي ما إذا كان قد قرأ كل هذه الكتب، ويضحك أحد ما في أعماقي بغرور وأسمعه يقول: هيهي أيها الحمقى هنا لسان العرب وقواميس إنجليزية وفارسية وعبرية وهنا أعداد مجلة العربي وفصول والكرمل وأعداد عالم المعرفة كلها تقريبًا وروايات إبراهيم الكوني كلها والصحاح والتفاسير، أيعقل أن يكون أحد مضطرًا لقراءة هذه الكتب من الجلدة إلى الجلدة!!" ويجيب أبي وسط إعجاب الآخرين بأنه يعرف كل ما في هذه الكتب ولكنه لم يقرأ كل حرف فيها على النحو الذي يتوقعونه.

6- يتبع... :)

السبت

صور الكتّاب وأثرها علي


تجعلني الصور في مزاج جيد، لا أعني صوري أو صور الأماكن التي أحبها أو تلك التي يظهر فيها من أحبهم، بل الصور العشوائية التي أقضي ساعات في تصفحها على Instagram, Tumbler & Pinterest (كم نبدو معاقين حين نضطر لكتابة هذه الأسماء بالإنجليزية ضمن متن فصيح!)، تلك الصور التي تتوافد من كل أنحاء العالم عن أي شيء قد يخطر في البال، ومن أي نقطة زمنية وثقت بصورة!

          قد أنفق الظهيرة بطولها لتصفح صور الكتب، حتى أنني قد أقتطع من وقت القراءة للنظر فيها، ما يدل على أن هوسي بالكتب كموجودات يساوي هوسي بما في داخلها تقريبًا!

         من هنا سعيت لأتتبع مفعول صور الكتّاب أنفسهم فيّ، فاليوم تمتلئ الصفحات بصور رسمية أو حميمة للمشاهير ومن ضمنهم الكتّاب، ما يحدث تغيرًا في إحساسي تجاه مؤلف ما، تمامًا مثلما نتعرف على صديق بالمراسلة وينتهي بنا الأمر إلى تبادل الصور كقفزة في العلاقة، ولأننا كبشر مولعون بعقد المقارنات وإيجاد الصلات والروابط بين الصور التي نراها والأشخاص الذين نعرفهم، وجدت نفسي أفعل هذا مع الكتاب، لذا لا تستغربوا مقارناتي وتشبيهاتي الخاصة جدًّا، لنبدأ:

         1- ميلان كونديرا:





        قرأت روايته "الهوية" قبل عدة سنين استمتعت بها ولكن لم أفهمها، كنت لا أزال في المدرسة -ربما في الصف العاشر- لم أكره ما قرأت ولكنني لم أعاود المحاولة إلا مؤخرًا، وقد تنبهت إلى أنني أثبتُّ صورته على الجدار فوق مكتبي قبل أشهر كنوع من المراهقة الأدبية المتأخرة أو التأثر الطوعي، في الصورة يبدو كما أريد أن أراه لا كما هو في الحقيقة… اليوم كتبت اسمه على يوتيوب وكان هذا الفيديو الذي يظهر فيه كطفل مجبر على الجلوس أمام كاميرا والتحدث كالكبار، أضحكني تأرجحه على البالون الشفاف المعبأ مثل كنبة، أضحكتني تعابير وجهه المتأرجحة بين البلادة والذكاء مع أنني لم أفهم حرفًا مما قيل، أضحكني بشدة أنني مجذوبة لما يكتب هذا الطفل الكبير المتغضن الوجه، استرعت يداه انتباهي، يدان كبيرتان فعلا وتليقان بموسيقي.



في الواقع كونديرا يشبه التلميذ الوحيد الذي ضربته في المرحلة الإبتدائية ضمن إحدى الألعاب القائمة على أوامر وشروط، وهذا ما جعلني أقهقه وأوقف الفيديو، وأشكر أن لا ترجمة أملكها تحمل صورته على الغلاف.

         2- ألبرتو مانغويل:
         


        اللطف والأبوة والشخصيات الكرتونية المتطايرة، هذا ما أفكر فيه عند النظر إلى هذه الصورة، توفي جداي قبل أن أولد ما يترك لي المساحة لأتمنى جدًّا على هيئته، ارتبط اسمه من قبل بـ "ألبرتو" القادم من (عالم صوفي) وتوثق هذا الرابط بعد أن أدركت التشابه بين الشخصيتين، كذلك في الفيلم الذي يعرض رواية (عالم صوفي) يظهر ألبرتو بسمات شكلية مقاربة، الوجه الدائري الطفولي، اللحية الكثيفة، والضحكة البريئة.

       من المريح أن أتذكر شكله عندما أقرأ له، أن أشعر به جالسًا وسط مكتبة خافتة الإضاءة وعلى كنبة يتماهى معها، ساردًا كل تلك القصص والأخبار عن الكتب والقراءة والعوالم الخيالية.

3- إيزابيل ألليندي:




        ابتدأ مشواري معها في رواية لليافعين بعنوان : "مدينة البهائم" وقد يئست منها سريعًا لم أجد المتعة في كل تلك الأوصاف للأدغال والحيوانات والأجواء التي لم أختبرها في حياتي أبدًا، عدت إليها بعد سنوات في رائعتها الموجعة "باولا" وبعد أن رأيتها في الصور وجدتها أنحف واقصر مما تخيلت، لا أدري لم أتخيل الكاتبات سمينات على الدوام بنظارات وتنانير قصيرة تظهر من تحتها أرجل مثل عصي البيسبول!

         رأيت في عيونها ما كانت تحكيه في قصصها وروايتها، أحتفظ بصورتين لها فوق مكتبي واحدة في شبابها وبشعر طويل، وأخرى بشعر قصير وكلتاهما بنظرة متحدية، إيزابيل تطفح منها الحيوية، وعلى كل صفحة تترك بسمتها الشقية ورنين لغتها المؤثر.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...