وحيدة أجلس في الساحة الأمامية لكلية الآداب،
انتظر انقضاء الساعة السابقة لدرس السياسة، الذي يفترض أن تناقش فيه الماركسية
وآثارها، على يميني فتيات لا يسأمن إعادة الأغنية ذاتها مرات ومرات، كما لا يؤمنَّ
بجدوى سماعات الأذن، وأمامي جمهرة من الشبان، يعتلون مقعدًا واحدًا لا يكاد يظهر،
يتصارخون ويتضاحكون كأنهم قد اقتلعوا من مدرسة ثانوية وجرى إلصاقهم في خلفية
المشهد الممتد أمامي.
وحيدة أجلس غير راغبة في تحضير ما سيقال عن ماركس، لعل الأدب –وهو اختصاصي-
قد احتفى بالديالكتيك أكثر ما احتفت السياسة، فلم أصل إلى هذا الدرس اليوم إلاّ
وقد حُمِّلت معرفة جيدة بماركس واشتراكيته، ولأني أفضِّل أن أتتبع تنويعات واقعية
للدرس أفتح كتاب (حازم صاغية) تاركة التقنين والتقعيد لماركس، متشبثة بـ (البعث
السوري: تاريخ موجز).
وحيدة أجلس وتتقافز عيناي على أسطر الصفحات، ترقبان الظهور الأول للاسم
الأشد ارتباطًا بالبعث في مخيلتي، مراقبة من دون أدنى شوق، مراقبة تتلمس بدايات
التحول الجلل، لتمسك الخيط الرفيع الذي فصل انقلابه عن كل انقلاب سابق، ترقبان
الاسم الذي عاشت روحه "كأنها شيخة رقوب تحن في وكرها القلوب"، ولمّا لم
يدم بها الحال، صارت على موائد مظاليمها شمعة في لعناتهم تذوب.
وحيدة أجلس وتوصلني القراءة إلى عتبة تاريخية هامة أثبت منها: "...وبدورها
لم تقتصد إذاعة دمشق في الإفصاح عن هذه الوجهة، فقالت الأغنية الأولى التي راحت
تبث بعد الانقلاب دون انقطاع:
»البعث قامت ثورته
والثأر دارت دورته.»
وأدخل تلك الحقبة على أنغام استهجنها، أسمعها
رغمًا عن صمت الصفحات، أتخيلها ترتدي مقام العجم... واستغرق في التأمل لأزور بيتًا
دمشقيًا تحلق أهله حول مذياع كبير صدح بهذا الجنون، هل دارت دورة الثأر على
أعدائهم حينها؟ لست أدري لكنها تدور عليهم الآن دونما ذنب اقترفوه... ولا أعود من
زيارتي المتخيلة إلاّ بفعل طفلة يبهت فيها كل شيء ما خلا عينيها، التصقت بالمقعد
مفتتحة كلامها بيدها الصغيرة، معللة وجودها بجنسيتها، أخذتها لحوار صار يشبه
الاستمارة، سألتها عن مكان ولادتها ومسكنها القديم ومأواها الجديد، عن عمرها
وتعليمها ورأيها بهذه البلد، عن أسرتها وعدد إخوتها... صغيرتي هذه اسمها ريم وهي
من طفس بدرعا، أتت من المفرق إلى إربد برفقة إخوتها الأربعة لتأمين أجرة منزلهم،
لا تعرف القراءة أو الكتابة، لم تتلق أي تعليم في حياتها مع أنها تبدو بعمر طالبات
الصف الخامس، أطلق سراح زهورها من نحل أسئلتي فتركض نحو إخوتها ويأتون جميعهم إلي.
أسألهم إن كانوا لا يمانعون التوقف عن مساعيهم لصورة، يصطفون أمامي
باستثناء واحدة منهم تفضل الجلوس بجانبي لتشاهد الصورة دون أن تظهر فيها، اسمها
(خلود) تلفظه بكسر الخاء ويضحكني لفظها افتتحت كلامها معي بدعوة غريبة تشذ عن
معايير الطفولة لا تحضرني صيغتها إلاّ أنها انطوت على (أن يحفظ الله لي الغالي على
قلبي) وما إن نهرتها على قولها سارعتني بالتساؤل: (يعني ما في؟!) جحدتها وطلبت
إليها أن تكتفي بذكر جنسيتها وسبب وجودها مقتدية بأختها الكبرى، ويزيد إصراري
عليها للوقوف وإخوتها، فتذعن لي ولهم أخيرًا.
وحيدة أجلس بعد أن نبتوا في ربيع الصورة أمامي، غنّى كبيرهم أغنية ثورية
بسرعة منزلا أصابع أخته الصغيرة التي ارتفعت بالنصر عفويًا، طلبت إليه أن يعيد
المقطع فأبى وحثثتهم جميعًا على رفع أصابعهم بالإشارة، وكانت الصورة الأولى،
فالثانية... تحلقوا حولي ليروا مجموعة الصور وأخذوا يسألونني عن هاتفي وسعره وعن
الكتاب الذي أقرأ والعصير الذي فرغت من تناوله، تعجب كبيرهم لمّا علم أن الكتاب
يتحدث عن (حافظ الأسد) وقال لي أنه وإخوته جميعًا لا يعرفون القراءة أو الكتابة،
قالها بلهجة حورانية مألوفة محببة، وتقافزوا مبتعدين عني إذ ذكرهم بضرورة الإسراع
بالعودة.
وحيدة أجلس... تتلاشى الضحكات خلف صورة أظفارهم الطويلة المتسخة، التي بدا
الجهل متراكمًا تحتها، بدا رماديًّا أسودًا، أحسست بثورة البعث قابعة هناك، أحسست
بدورة الثأر سببًا أوحد لهذه الصورة، دعوت لكبيرهم أن يبقى اللمعان في عينيه ليشذب
هذه الأظفار الناعمة قبل أن تصبح معتادة، نظرًا لأني لا أملك فعل ذلك.



![[06.jpg]](http://4.bp.blogspot.com/__t9IZFbFFcY/SMFDN_aZVtI/AAAAAAAAABM/3cQBO8cwzQE/s320/06.jpg)
